العقل. علما بأن الفكر الديني إذا التزم المنهج الشرعي الصحيح في فهم الوحي سيكون صوابه كثيرا وخطؤه قليلا. و يحدث العكس إذا انحرف منهجيا في فهمه للوحي. فسبب التصادم ليس هو السلطة المطلقة للشرع، ولا شموليته، ولا هيمنته، ولا فهم الفكر الديني للوحي، وإنما سببه هو الانحراف في منهج فهم الشرع أصولا وتطبيقا. وهذا ينطبق على نصر حامد أبي زيد، فهو بما أنه علماني متعصب نظر لدين الإسلام بنظرة مذهبية علمانية متعصبة، فوجده يتناقض مع علمانيته ولا مكان لها في دين الإسلام. لأن الإسلام دين و دولة، ودنيا و آخرة و العلمانية دنيا بلا آخرة، و دين بلا إله، فوجد الرجل نفسه بين: إما الكفر بالعلمانية والإيمان بالإسلام دنيا و آخرة، وإما الإيمان بالعلمانية دينا دنيويا بلا آخرة. فاختار الطريق الثاني، واخذ على نفسه العمل على تحريف دين الإسلام، و تقزيمه و علمنته بكل ما يستطيع. وهذا طريق مرفوض شرعا وعقلا، وحتى علمانيا. لأن العلماني الصادق الموضوعي مع نفسه، لا يفعل ذلك، وإنما بما أنه اختار العلمانية دينا له، فليترك دين الإسلام أو غيره لحاله ولا يعمل على تحريفه وتطويعه وتعطيله.
وثانيا إن قوله بأن العقل هو السلطة الوحيدة التي تُفهم على أساسها النصوص الدينية، هو قول فيه حق وباطل، لأن الرجل هنا ذكر سلطة العقل واغفل سلطة الشرع الذاتية. وهذا أمر سبق أن ناقشناه وبينا بطلان ما زعمه الرجل حوله، وأثبتنا أن لها سلطة ذاتية هي أصل الفهم وأساسه. ومن ثم فإن عملية الفهم لا تتم بطريقة صحيحة شرعا وعقلا وعلما، إلا إذا تمت على أساس سلطة الشرع أولا، ثم سلطة العقل ثانيا وعليه لا يصح أبدا الزعم بأن عملية فهم الوحي، لا تتم إلا بسلطة العقل وعلى أساسه فقط.
علما بأن حقيقة دور العقل هي أنه وسيلة للفهم، وطرف في العملية وليس على أساسه تفهم النصوص الشرعية -وكل النصوص أيضا- وإنما تُفهم أولا على أساس سلطتها الذاتية. بمعنى أنها تُفهم على أساس مضمونها، وشرحها الداخلي الذاتي، لأن وحي الله تعالى كتاب مُحكم، و مُفصل، ومشروح من داخله. ولا يقبل أي تدخل