خارجي مخالفا لمضمونه ومنهج فهمه، قصد تحريفه والتلاعب به. فهو يأبى ذلك، و يرد على كل من يحاول تحريفه وإفساده بالتأويل التحريفي الذي يمارسه الذين في قلوبهم زيغ.
وبما أن الشرع كذلك فإن العقل هو وسيلة للفهم، وطرف في فهم النصوص الشرعية. وكثيرا ما يكون دوره -في تعامله مع الوحي- دور القارئ والناقل عندما يتعامل مع النصوص الواضحة المحكمة والمشروحة بالنصوص نفسها. و مثال ذلك قوله تعالى: «وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أنه عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ» -سورة التوبة:114 - . وإذا أردنا معرفة معنى الأهل والآل في القرآن واللغة نجمع الآيات التي ورد فيها اللفظان، فنجدها تشرح نفسها بنفسها وتُحدد لنا المعنى الصحيح للأهل والآل.
وأما إذا كان النص متشابها أو صعب الفهم، فعلى العقل أن يفهم النص الشرعي جيدا، و يُفسره بالمنهج الشرعي في التفسير. وفي هذه الحالة فإن العقل لا ينفرد بالفهم والشرح حسب هواه. و إنما هو محكوم بمحكمات الشرع، ومعطيات النصوص، وحقائق العقل والعلم. و بذلك يتبين أن العقل وسيلة وطرف في فهم الشرع، وليس كما زعم نصر أبو زيد بأن العقل هو الطرف الوحيد في فهمه. و قولنا هذا ليس تقليلا من شأن العقل، ولا تقزيما له، و إنما هو اعتراف بالحقيقة الموضوعية، و وضع العقل في مكانه الصحيح، بلا إفراط و لا تفريط.
لكن الرجل هو المُغالط و المُبالغ في موقفه من العقل، لأن نسبية العقل و محدوديته أمر ثابت شرعا وعقلا، علما واقعا كما سبق أن بيناه. لكن الرجل لا يبالي بذلك لتحقيق غايات في نفسه خطط لها سلفا انطلاقا من علمانيته التحريفية المتعصبة [1] . ومؤلفات الرجل -وأمثاله من أدعياء العقلانية- شاهدة على محدودية العقل ونسبيته، وكثرة أخطائه ونقائصه، فهي مملوءة بالانحرافات المنهجية، والأخطاء الشرعية والتاريخية والعلمية، سبق أن ذكرنا طرفا منها، وسيأتي مزيد
(1) سنوثق ذلك ونتوسع فيه في الفصل الأخير إن شاء الله تعالى