منها فيما يأتي من كتابنا هذا. فلو كان العقل كما يزعم هؤلاء لتميزت كتبهم بالعبقرية والإبداع و العصمة، وهذا لا وجود له في كتبهم، وخلافه هو الموجود.
و ليس صحيحا أن تقديم الشرع على العقل هو تقليل من شأن العقل الأمر الذي يؤدي إلى إلغاء النص أيضا. فهذا الزعم باطل لأن الصواب هو أن زعمه هو الذي يؤدي إلى تعطيل الشرع وتحريفه والطعن فيه. لأن القول بأن العقل -المحدود الناقص- أسبق من كلام الله تعلى وأحكم منه هو طعن في الشرع والعقل معا. و هو الذي أوقع الرجل في الغلو في موقفه من العقل من جهة. وتعطيل الشرع من جهة أخرى. فخالف بذلك العقل والشرع، وطعن فيهما معا.
و ثالثا إن الرجل اشتد في نقد الفكر الديني في تفسيره للنصوص الشرعية، وحمّله مسؤولية حدوث تصادم بين العقل والوحي. وعمله هذا هو محاولة منه لتحريف الشرع من جهة، وتحميل الفكر الديني مسؤولية حدوث ذلك التصادم من جهة أخرى. و هذا باطل مردود عليه، لأن سلطة الوحي ذاتية وليست من إضفاء الفكر الديني. فنفى عن الشرع شموليته و حاكميته وهيمنته بدعوى أن الفكر الديني هو الذي أضفى ذلك عليه. و هذا افتراء على الشرع والفكر الديني معا. لأن الشرع شاهد بذاته وعلى نفسه بأنه يمتلك سلطته الذاتية التي من خصائصها الشمولية والحاكمية والهيمنة. و للفكر الديني أيضا سلطته في الفهم والتفسير، فإذا ما التزم بالمنهج الشرعي الصحيح في الفهم والتفسير يكون فهمه صحيحا موافقا للشرع والعقل معا، و إذا اخطأ في ذلك يكون هو المخطئ ويبقى الشرع محتفظا بسلطته وشموليته و حاكميته.
والغريب في الأمر أن حامد أبا زيد اتهم الفكر الديني بتحريفه للشرع وتحميله ما لا يحتمل، لكنه نسي أو تناسى نفسه أنه هو شخصيا يمارس نفس العمل بطريقة مخالفة للشرع والعقل معا. وذلك أنه تعمد التحريف عندما نفى عن الشرع سلطته من جهة، ونسب إلى المفسرين سلطة سماها سلطة النصوص حرفوا بها الشرع حسب زعمه من جهة ثابتة، وطرح لنا فهمه للشرع كسلطة جديدة هي سلطة فكر