أخرى. فالعيب ليس في الشرع الصحيح ولا في العقل الصريح، وإنما العيب في العقل التحريفي المتعصب، وفي المنهج التفسيري المعوج.
و فيما يخص زعمه الأخير بأن العقول بفهمها ومستواها المعرفي هي التي تحدد دلالة النصوص و تصوغ معانيها، فهو زعم باطل يعبر عن مزاعمه السابقة، ويحمل نفس الانحراف في المنهج والتطبيق. لأن عملية فهم الوحي وتفسيره لا يمكن أن تتم إلا بسلطتين هما: سلطة الوحي التي تحدد المعنى الداخلي للنص، وسلطة العقل التي تحاول فهم النص وشرحه واكتشاف أسراره وحِكَمه من خلال سلطة النص الذاتية أولا، ثم قدرات ومعارف سلطة العقل ثانيا. و لن تستطيع سلطة العقل التأثير في سلطة الوحي والتدخل فيها أبدا حتى وإن حاولت ذلك بالتلاعب والتحريف لأن تفسيرها لن يكون صحيحا، ولا منسجما مع الوحي الحق، ولا مع العقل الصريح، ولا مع العلم الصحيح. لأن للوحي سلطة ذاتية هي الأصل التي تفشل أمامها كل محاولات التأويل التحريفي التي يمارسها الذين في قلوبهم زيغ من أدعياء العقلانية وأمثالهم.
وأما محاولات العقل في فهم النصوص، فهو قد يفهم النص فهما صحيحا وقد يخطئ في فهمه له. وهذا لا يُغير من الأصل شيئا. لأن المعيار في معرفة الصواب من الخطأ هو الوحي أولا وليس العقل. لأنه -أي العقل- ليس هو الذي يحدد الدلالة الصحيحة للنص، وإنما هو يسعى لفهمها فهما صحيحا، وذلك بعرضها على النص نفسه أولا، ثم على النصوص الشرعية الأخرى ثانيا، ثم على المعطيات الصحيحة الأخرى المأخوذة من العقل والعلم ثالثا. وفي كل الحالات يبقى الوحي الصحيح هو المرجع الأول، ولا يكون تابعا للعقل، ولا لأي مرجع آخر. و بذلك تبقى فُهوم البشر فُهومًا نسبية لا يمكنها أن تكون حَكَما على الوحي الصحيح. لكن يمكنها أن تكون فاهمة وشارحة وموافقة وخادمة له، إذا التزمت بالمنهج العلمي الصحيح في فهمه وتفسيره. والفهوم قد تتعدد حول النص الواحد، لكن التأكد من صحتها وصوابها لا يتم بالرجوع إليها، وإنما يتم بإرجاعها إلى الوحي أولا، ثم إلى حقائق العقل والواقع والعلم ثانيا.