وأما الموقف الأخير - السادس - فيتعلق بمقصود الرجل من نفيه سلطة الشرع، وإصراره على القول بسلطة العقل وأسبقيته على الشرع من جهة، ودعوته إلى التحرر من سلطة الشرع من جهة أخرى. و هو قد أفصح عن ذلك صراحة عندما ذكر أن مقصوده من دعوته إلى التحرر من سلطة النصوص هو التحرر من مفاهيم الهيمنة والشمول التي يضفيها بعضهم عليها. و هم يطرحون تأويلاتهم هم، و تفسيراتهم وحدها [1] .
و ذكر أيضا أن دعوته إلى التحرر من سلطة النصوص لا تعني التحرر من نصوص القرآن والسنة، وإنما المقصود من ذلك هو التحرر من النصوص الشارحة لنصوص الشرع. و زعم أيضا أن ما يدعو إليه من نفي لسلطة الشرع و شموليته ليس"اعتداء على العقيدة، أو استبعادا للدين" [2] .
و زعم أيضا أن دعوته ليست تعطيلا للنصوص، وإنما هي ممارسة للاجتهاد. ثم قارنها ببعض اجتهادات الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فذكر أن الخليفة عمر بن الخطاب لم ينصاع لبعض أوامر القرآن والسنة النبوية في إعطاء المؤلفة قلوبهم نصيبهم من الزكاة المذكور في القرآن بنص «لا يحتمل التأويل» . والمثال الثاني على ذلك هو أن عمر بن الخطاب لم يُقِم حد السرقة -عام الرمادة -المنصوص عليه في القرآن بنص لا يحتمل التأويل أيضا. ثم تساءل الرجل: هل كان عمر ينكر النصوص؟ ولماذا لم ينكر عليه الصحابة ذلك الفعل؟ فيكفرونه بدعوى تعطيل النصوص. ثم أشار إلى أن خصومه -الذين اتهموه بتعطيل الشرع- ليس أمامهم -في أغلب الظن-إلا التسليم بحق الاجتهاد مع تغيرات الزمان والمكان، وما يترتب على ذلك من أن «سلطة النصوص مضفاة وليست سلطة ذاتية» . وهل عندما لم يحكم عمر بمنطوق الشرع في قطع يد السارق كان يخالف الإسلام، ويطالب بالتحرر من النصوص؟ إنه قطعا ليس كذلك لأنه كان يدرك سياق النصوص ولم يكن يتعامل مع أحكامها على أنها تمثل سلطة مطلقة [3] .
(1) التفكير في زمن التكفير ص:74
(2) الإمام الشافعي ص:22و التفكير في زمن التكفير ص:147
(3) التفكير في زمن التكفير، ص: 42،152