الصفحة 113 من 643

تبين له أنه لا مكان لعلمانيته إلا بنفي سلطة الشرع وشموليته بالتحريف والافتراء والتغليط والعناد [1] .

وهو نفسه أعلن صراحة أن هدفه مما يدعوا إليه هو التخلص من فكرة هيمنة الدين وشموليته لكل جوانب الحياة. و لكي يصل إلى ذلك نفى سلطة الشرع الذاتية وجعله هلاميا لا أصالة له، ولا ثوابت، ولا محكمات. و إنما هو عجينة تشكله العقول حسب أهوائها ومصالحها، وزمانها ومكانها، وهذه المزاعم سبق أن ناقشناها وبينا بطلانها. وهي شاهدة على أن الرجل مزدوج الخطاب: خطابه الأول هو الخطاب العلماني التحريفي للشرع الذي عبر عنه بصراحة في نفيه لسلطة الشرع. و خطابه الثاني هو أن الرجل عندما يحاصره منتقدوه وتنكشف نواياه وخططه لتعطيل الشرع، يتظاهر بأنه لا يقصد ذلك، وإنما يقصد الفكر الديني المحرف للشرع حسب زعمه.

و ثانيا إنه يُلاحظ على الرجل أنه اتخذ أربع خطوات للوصول إلى ما خطط له سلفا: الأولى نفى فيها سلطة الشرع الذاتية الآمرة والناهية من دون أي دليل صحيح ولا ضعيف من الشرع ولا من العقل. والثانية زعم فيها أن العقل هو الأصل الذي يتأسس عليه الشرع ويُفهم أيضا. و الخطوة الثالثة اتهم فيها الفكر الإسلامي الشارح للنصوص بأنه حمّل الشرع ما لا يحتمل، وقوّله ما لم يقل، و إنما هو الذي أضفى على الدين سلطته وشموليته، وهيمنته وصلاحيته لكل زمان ومكان. والخطوة الأخيرة - الرابعة - هي نتيجة ضرورية للخطوات السابقة ومفادها أنه بما أن الشرع لا سلطة ذاتية له، وأن العقل هو أساس الشرع وأسبق منه، وأن المفسرين هم الذين يضفون على الشرع ما يريدونه منه وما ليس منه. فإنه -بناء على ذلك- فمن حق حامد أبي زيد أن يفسره وفق فكره ومذهبيته ليتفق مع قناعاته، وأهدافه ومصالحه!!. فنفى عنه سلطته وشموليته، وصلاحيته لكل زمان ومكان. وبذلك عطله وقزّمه، وحصره في زاوية ضيقة لتحل محله علمانيته التي يؤمن بها وينتصر لها ويبشر بها.

(1) سنتوسع في ذلك في الفصل الأخيران شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت