الصفحة 115 من 643

المهيمنة الشاملة للدين والدنيا معا. ولم يكن عمر ينظر إلى الشرع على أنه لا سلطة له كما هو حال حامد أبي زيد. لذا فلا مجال للمقارنة بين عمل الرجلين، لكن حامد أبا زيد مغالط ومدلس ومحرف للنصوص. لأن الخليفة عمر بن الخطاب مارس الاجتهاد انطلاقا من الشرع ومن أجله، وذلك أنه عندما أبى أن يعطي بعض الذين ألف النبي -عليه الصلاة والسلام - قلوبهم بالعطاء قال لهم: (هذا شيء كان النبي -عليه الصلاة والسلام -يعطيكموه تأليفا لكم على الإسلام، واغني عنكم، فإن ثبتم على الإسلام، وإلا فبيننا وبينكم السيف) [1] . فهو هنا لم ينكر سهم المؤلفة قلوبهم، ولا عطله كلية وإنما منع جماعة من العطاء كانت تأخذه زمن رسول الله -عليه الصلاة والسلام - وعلل موقفه هذا بما قاله لهم. فهو مجتهد في الالتزام بالشرع انطلاقا منه ومن أجله خدمة لمصالح الشرع والمسلمين معا. ولم ينكر عليه الصحابة و لا عارضوه، ولا عابوا تصرفه، ولا اتهموه بأنه خالف الشرع، ولا أنه يعمل على تعطيله، ولا أنه أنكر سلطة الشرع الذاتية [2] .

وأما عدم تطبيق عمر لحد السرقة في مجاعة عام الرمادة، فهو أمر عادي وطبيعي موافق للشرع والعقل معا. وليس ذلك تعطيلا للشرع، ولا هدرا، ولا نفيا له. وإنما هو اجتهاد منه انطلاقا من الشرع ومن أجله، بل هو تطبيق للشرع من جهة أخرى. لأن الشرع الذي أمر بقطع يد السارق بشروط، هو نفسه أمرنا بدرء الحدود بالشبهات ونص على أن الضرورات تبيح المحظورات، وان المُكرَه والمُضطر رُفع عنهما القلم [3] . فالخليفة عمر أوقف حكما شرعيا بنصوص شرعية، وطبق مكانه أمرا شرعيا بنصوص شرعية أخرى أيضا. وهذا خلاف ما فعله حامد أبو زيد الذي نفى سلطة الشرع الذاتية بلا دليل من الشرع، ولا من العقل من أجل تعطيل الشرع وهدمه، وإحلال العلمانية محله.

(1) سيد سابق: فقه السنة، دار الجبل، بيروت،1995،ج1،ص:367

(2) انظر: نفسه، ج1،ص:367

(3) نفسه، ج1،ص: 367وما بعدها ومحمد بن علي الشوكاني: نيل الأوطار. ج8،ص:45

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت