و أما الموقف الثالث فمفاده أن حسن حنفي يرى أن الواقع مقياس ثالث يشمل العقل والنقل، و يعطي مادة اليقين التي يحللها العقل في التجربة المباشرة. و هو أيضا مرجع صدق وتحقيق، واحد لا يتغير، ولا يمكن الخطأ فيه، لأنه واقع يمكن لأي فرد أن يتحقق من صدق الحكم عليه [1] .
وأقول: إن قوله هذا غير صحيح في معظمه، ويجب التفريق بين الواقع الطبيعي والواقع البشري كما سبق أن بيناه. لأن الواقع البشري فيه الخطأ والصواب، والحقائق والأباطيل، والظلم والعدل. وبما أنه انعكاس لفكر الإنسان وغرائزه ومصالحه وسلوكياته، فهو ليس مصدرا يقينيا مطلقا، ولن يكون كذلك. و إنما هو مصدر نسبي لأنه انعكاس لنسبي، ومن ثم فلا يمكن أن يكون مصدرا مُطلقا للحق واليقين. وبما أن كلا من العقل و الواقع البشري نسبي فإن المطلق الوحيد هو الوحي الصحيح الذي يعطينا اليقين المطلق.
و لا يصح الزعم بأن الواقع واحد لا يتغير، ولا يمكن الخطأ فيه، بدعوى أنه واقع ملموس. فهذا زعم لا يصح، وفيه تغليط وتدليس على القراء، لأن الواقع البشري غير ثابت في كثير من جوانبه من جهة، و يتضمن مظاهر الخطأ والصواب والحق والباطل من جهة أخرى. و يأتيه الخطأ والانحراف من جانبين: الأول هو خطأ وانحراف في الانعكاس. بمعنى أن الأفكار والسلوكيات عندما تصدر من الإنسان تصدر خاطئة منحرفة فينعكس ذلك سلبا على الواقع. والجانب الثاني هو الخطأ والانحراف في النظر إلى الواقع، إما لغموضه أو لخطأ في المنطلق والخلفية الفكرية للناظر، أو هما معا. وعليه فلا يصح أن يكون الواقع البشري مصدرا مطلقا لليقين ولا للصواب، وإنما هو مصدر نسبي يجمع بين الحقائق والأباطيل، واليقينيات والظنيات لأنه انعكاس للإنسان النسبي.
وأما الموقف الرابع فمفاده أن حسن حنفي يرى أن الواقع والعقل هما المحك لمعرفة الحقيقة، وعليهما يعرض الوحي للتحقق من صحته [2] .
(1) من العقيدة إلى الثورة، 9ج1، ص:204،375
(2) من العقيدة إلى الثورة ج1، ص373