وأقول: ليس الأمر كما ذكر، لأن الوحي الصحيح هو المِحَك المطلق الذي تُعرض عليه أفكار البشر وأفعالهم على أرض الواقع و ليس العكس. وأما العقل والواقع فقد يكونان مِحَكيّن في الأمور الصحيحة، لكنهما ليسا كذلك في كل الأمور، لأنهما نسبيان. وعليه فإن كل ما عارض الوحي الصحيح من أفكار البشر وواقعهم فهو باطل بالضرورة والعكس غير صحيح. كما أنه لا يمكن أن يوجد تناقض بين الوحي الصحيح، والعقل الصريح، والواقع الصحيح. فإذا ما ظهر تناقض ما، فإما أنه ليس كذلك وإنما هو مُتوهم فقط ويجب إزالته. وإما أنه حدث لخطأ بسبب العقل، أو الواقع، أو هما معا. وإما أننا لم نفهم الوحي فهما صحيحا. وعليه فإن الوحي هو المِحك المطلق، وليس كما أراد أن يوهمنا به حسن حنفي.
والموقف الأخير - الخامس - مفاده هو أن حسن حنفي زعم أن الواقع هو الذي يفرض نفسه، وهو ابلغ من كل نص، وهو مصدر النص ومنبعه. والبداية بالواقع هي الرجوع إلى المنبع والمصدر الأساس [1] . وزعم نصر حامد أبو زيد أن الواقع هو الأصل ولا سبيل لإهداره [2] .
و أقول: ليس صحيحا أن الواقع الإنساني يفرض نفسه، لأن هذا الواقع هو انعكاس لأفكار و سلوكيات البشر، ومن ثم فهو ليس حَكَما و لا مِحَكا مطلقا، وإنما هو نسبي لأنه انعكاس لأفعال نسبية صاحبها كائن نسبي. وعليه فإنه لا يمكن أن يكون مصدرا للوحي ولا مصدرا مطلقا، ولا في مقدوره أن يفرض نفسه بالضرورة؛ لأنه لا يملك ذاتية خاصة به لا تتغير كالواقع الطبيعي. و من ثم فإنه يمكن التحكم فيه وتغييره و إغفاله، وإهداره حسب ما يريد الإنسان. فالإنسان هو المصدر والمنبع، والمُتحكم في أفكاره وسلوكياته وواقعه، وليس العكس. و صحيح أن الإنسان يتأثر بمحيطه وواقعه، لكن الكلمة النهائية للإنسان ككائن عاقل مريد من جهة، وأن الواقع لا ذاتية له لأنه انعكاس لأفكار الإنسان وسلوكياته من جهة أخرى.
(1) حسن حنفي: الدين والثورة في مصر، ج7،ص: 74
(2) نقد الخطاب الديني، ص:130