الصفحة 126 من 643

وبما أن الإنسان هو المصدر وليس الواقع، فإنه لا الإنسان ولا الواقع هما مصدرا الوحي الصحيح. وإنما هو الله تعالى الذي هو خالق كل شيء والذي انزل وحيه ليغير الواقع المنحرف إلى واقع سليم موافق للشرع والعقل والعلم. فالوحي هو الأصل، والمصدر، والآمر، والناهي، والموجه، والمربي. فهو الذي يفرض إرادته على الإنسان و واقعه وليس العكس.

وأما المجموعة الثانية فتتعلق بدعوى تأثير الواقع في الوحي وتتضمن أباطيل كثيرة قال بها بعض أدعياء العقلانية نذكرها من خلال المواقف الآتية: أولها يتمثل في أن حسن حنفي زعم أن الوحي مر بمراحل، تطوّر من خلالها من زمن آدم إلى محمد -عليهما الصلاة والسلام- فاكتمل في صورته النهائية في مرحلته الأخيرة. وكان مضمون الوحي موافقا للمرحلة التي يمر بها وكان يتغير بتغيرها [1] .

و ردا عليه أقول: إن كلام الرجل غير صحيح في معظمه، ولا يصح القول بأن الوحي الإلهي تطور حسب المراحل التاريخية التي مر بها الإنسان. نعم إنه وجدت أديان باطلة أصلا، وأخرى كان لها أصل صحيح ثم تغيرت وانحرفت، وأثرت في الواقع وتأثرت به. لكن الوحي الإلهي الحق -وهو دين الإسلام- لم يحدث له ذلك، ولا تطور في جوهره وأصوله العقدية، ولا في المفاهيم والأخلاق، ولا في التشريع. فهذا لم يحدث له أبدا، لكن ذلك لا ينفي حدوث تغيرات جزئية تشريعية حسب تغير الزمان والمكان. فكان هذا تفاعلا ومواكبة من الوحي مع الواقع الجديد الذي كان يظهر فيه الوحي على أيدي الأنبياء، من دون أن يحدث فيه أي تغيير في جوهره وأساسياته. لقوله سبحانه: «شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ» -سورة الشورى:13 - ، و «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» -سورة البقرة:183 - .

(1) حسن حنفي: في فكرنا المعاصر، ص:92،175 والدين والثورة في مصر، ج7،ص:156،157،159

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت