الصفحة 127 من 643

و أما الواقع البشري فلم يكن له أي تأثير في أصول الدين وجوهره وأساسياته. لأن الدين هو الذي جاء ليُغير الواقع المنحرف و يجعله متفقا مع دين الله تعالى وليس العكس. و عليه فلا يصح أن يُغير الواقع الدين، وإنما هو الذي يغير الواقع. لذا يجب أن يكون الدين ثابتا في أصوله و جوهره وأساسياته. وحتى الحالات التي لم يستجب فيها البشر للوحي فإن الوحي لم يتغير، وبقي محافظا على جوهره، و الواقع هو الذي تغير بأن عاقبهم الله تعالى بكفرهم فدمر عليهم واقعهم.

و أما الحالات التي واكب فيها الوحي التغيرات البشرية، وتفاعل معها فهي موافقات قائمة على أساس أوامر الوحي، وكماله وشموليته وأولويته، وليس على أساس تبعية الوحي للواقع من جهة، وذلك من مظاهر فعاليته وصلاحيته لكل زمن ومكان من جهة أخرى. فالوحي هو الآمر الناهي، والموجه والمراقب، والمنذر والمبشر. ولم يتغير، ولا تطور في أصوله وجوهره وأساسياته، ولا كان تابعا للعقل ولا للواقع. لكن حسن حنفي ُيغالط ويدلس، فقلل من أهمية الأصول والأساسيات الثابتة وقزمها، وتمسك ببعض الجزئيات المتغيرة، وأخرجها من مكانها وضخمها، وحولها من حبة صغيرة إلى قبة كبيرة. فعل ذلك تحقيقا لغايات في نفسه على حساب الشرع الصحيح، والعقل الصريح، والعلم الصحيح.

وأما الموقف الثاني فمفاده أن حسن حنفي زعم أن الوحي الإلهي تحول إلى علم إنساني لأنه نزل في"زمان معين، ومكان محدد، ولدى شعب بعينه، فهمته الأفعال. وبالتالي فهو علم إنساني، كما حدث في علم أصول الدين وأصول الفقه خاصة". فهو - أي الوحي - بمجرد نزوله وكتابته وقراءته وفهمه وتفسيره أصبح علما إنسانيا [1] .

و قد وافقه على ذلك نصر حامد أبو زيد عندما زعم أن"النصوص دينية كانت أم بشرية، محكومة بقوانين ثابتة. والمصدر الإلهي للنصوص الدينية لا يخرجها عن هذه القوانين. لأنها تأنسنت منذ تجسدت في التاريخ واللغة، و وُجهت بمنطوقها"

(1) حسن حنفي: من العقيدة والثورة، ج1،ص:220،261

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت