الصفحة 129 من 643

ولا شك أن الإنسان يتفاعل مع الوحي في مختلف جوانب الحياة، لكن هذا لا يؤثر في الوحي، ولا يغير مضمونه ولا ألفاظه. وإنما ينتج عن ذلك التفاعل واقع جديد: فكرا وسلوكا. وهذا هو الذي يؤدي إلى نشأة علم إنساني شرعي بمعنى أنه علم يقوم على نصوص الشرع وأفعال الإنسان. وهي التي أدت إلى نشأة أصول الدين وأصول الفقه، فهما علمان جمعا بين العلمين الإلهي والبشري قاما أساسا على معطيات الشرع وجهد الإنسان في الفهم والاستنتاج، والإثراء والتقعيد. فأثمر ذلك ظهور علوم إسلامية كعلم الفقه، والحديث، وعلم التفسير وأصول الدين والأخلاق، فهي علوم خليط بين الوحي والفكر البشري. لكن الوحي الإلهي يختلف عن تلك العلوم، لأنه علم الهي خالص معجز، و هو علم وبرهان، ونور ويقين علومه كلها إلهية خالصة. و تُلحق به السنة النبوية الصحيحة الموافقة له، لأنها ليست كلام إنسان عادي، وإنما هي كلام رسول الله - عليه الصلاة والسلام -. الذي أمرنا الله تعالى بإتباعه والالتزام به، وجعل من يطيع رسوله فقد أطاعه سبحانه. فكلام الرسول ليس بكلام إنسان عادي، وعليه فإن النصوص الشرعية تبقى وحيا مهما تفاعل معها البشر، وادخلوها في كتبهم، فستبقى كذلك محافظة على ذاتيتها وخصائصها لا تتغير ألفاظها ولا معانيها ولا مصدرها، ولا تتحول إلى علم إنساني أبدا.

و ثانيا إن ما زعمه نصر حامد أبو زيد لا يصح أيضا، وهو تغليط وتدليس وتلاعب بالألفاظ. لأن الوحي الإلهي الصحيح لا يمكن أن يكون محكوما في كل جوانبه بالقوانين التي تحكم نصوص البشر. لأن اختلاف الفاعل بين الخالق والمخلوق يستلزم وجود اختلاف أساسي و جوهري في كلام كل منها. ومن ثم لا تصح التسوية المطلقة بين كلام الخالق والمخلوق. وعليه فإن إنزال الله تعالى لكتابه بلغة إنسانية في زمان ومكان بشريين، لا يلزم أن كلام الله يجب أن يخضع إلى كل القوانين التي تحكم نصوص البشر. فهذا زعم بلا دليل، لذا وجدنا الله تعالى عندما انزل كتابه وصفه بصفات وميزه بخصائص لا تتصف بها نصوص البشر. منها أنه كتاب معجز تحدى الله به الإنس والجن معا قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت