وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا -الإسراء:88 - ، وأنه كتاب لو أنزله الله على «جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» -سورة الحشر:21 - . وأنه كتاب «لَا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» -سورة فصلت:42 - ، و أنه كتاب «َلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا» -سورة النساء:82 - ،وأنه كتاب «لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» -سورة الواقعة:79 - ، و أنه كتاب «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ» -سورة الشعراء:193،194 - . وغير ذلك كثير، فالتعميم الذي أصدره الرجل بلا دليل، لا يصح لأن فيه عدم تفريق بين كلام الله وكلام البشر من جهة، و فيه إغفال للإرادة الإلهية التي تقول للشيء: كن فيكون.
وعليه فلا يصح الزعم بأن الوحي قد تأنسن، فهذا زعم باطل سبق أن أثبتنا بطلانه، وهو- أن الوحي - لا يخضع أبدا لجدلية التغيير والثبات، فهذا يصدق على كلام البشر لا على كلام الله تعالى. فالوحي ثابت بمنطوقه، ومعانيه، وألفاظه، حتى وإن اختلفت الفهوم في شرحه، فهي قد اختلفت في ذلك من حيث العمق والاتساع، والتأويل التحريفي، لكن الوحي لم يتغير وظل هو الحَكم، والأصل، والمصدر. فما وافقه فصحيح، وما خالفه فباطل، فأين خرافة تغير مفاهيم الوحي بتغير الواقع التي قال بها الرجلان؟!.
وأما الموقف الثالث فمفاده أن حسن حنفي زعم أن الفقهاء -خلال العصر الإسلامي - حاولوا «استنباط شريعة تصلح للناس في حياتهم» . و ذكر أنه هو شخصيا يسير على دربهم [1] .
و قوله هذا هو افتراء على الشرع والفقهاء والتاريخ، وكان من الواجب عليه أن يوثق زعمه هذا، لنطلع على المصدر الذي أخذ منه ذلك، و لنتأكد منه. فنحن لم نعثر على أي شاهد فقهي ولا تاريخي يشهد على زعمه، لذا فهو مطالب بتوثيقه.
(1) حسن حنفي: الدين والثورة في مصر، ج7،ص:74