علما بأن حقيقة عمل الفقهاء هو توضيح الأحكام الشرعية وشرحها، والاجتهاد لإيجاد حلول للمسائل التي ليست فيها نصوص صريحة بناء على نصوص الشريعة ومقاصدها وروحها. فلم يكن المجتمع الإسلامي بلا دين ولا بلا شريعة حتى يزعم حسن حنفي بأن هؤلاء حاولوا استنباط شريعة تصلح للناس. لأن الإسلام دين ودولة، وشريعة وعقيدة، سيف و مصحف، ولم يكن أبدا في حاجة إلى من يستنبط منه شريعة تصلح للناس. فهذا افتراء مكشوف على دين الإسلام، والله تعلى يقول: «لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا» -سورة المائدة:48 - ،و «ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» -سورة الجاثية:18 - ،و «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا» -سورة المائدة:3 - . فلا الإسلام كان في حاجة إلى تلك الشريعة المزعومة، ولا المسلون كانوا بلا شريعة لكي يحتاجوا إلى من يستنبط لهم تلك الشريعة المزعومة. فقد كان الإسلام مطبقا قبل التدوين الفقهي في القرنين الثاني والثالث وما بعدهما [1] .
واضح من ذلك أن حسن حنفي حوّل الحبة الصغيرة إلى قبة كبيرة بعدما اقتلعها من أصولها. لأنه حوّل الاجتهاد الجزئي في الفروع و القائم على الدين وأساسيات الشريعة، إلى الزعم بأن الفقهاء والمجتهدين حاولوا استنباط شريعة تصلح للناس. و هذا خلاف الحقيقة الشرعية والتاريخية معا. فهم اجتهدوا بأمر من الشرع وانطلاقا منه، و خدمة له ولأهله، فأنتجوا تراثا فقهيا غزيرا ومتنوعا، ولم يبدعوا شريعة ولا دينا. و إنتاجهم هذا شاهد على أنه قائم على الشريعة في أصولها و فروعها. لكن الرجل مغالط و مُدلس نسب إلى هؤلاء الفقهاء المجتهدين ما لم يفعلوه، ليجد مبررا لنفسه يُوصله إلى تحقيق غايات في نفسه، بدعوى أنه يجتهد كما اجتهد هؤلاء، وأنه يسير على منهاجهم!!.
(1) انظر مثلا: عمر سليمان الأشقر: تاريخ الفقه الإسلامي.