الصفحة 132 من 643

والموقف الرابع مفاده هو حسن حنفي زعم أن تطبيق الشريعة الإسلامية لابد أن يبدأ بالعقيدة، فنحاول"أولا عرض العقائد الإسلامية وتفسيرها طبقا لحاجيات العصر وملؤها بمضمون من واقع المسلمين" [1] .

و أقول: إنه من الشرع والعقل والحكمة أن تطبق الشريعة الإسلامية بمرحلية و روية وتدرج، وأن تُهيأ لها الأرضية فكرا وواقعا. لكن لا يصح شرعا ولا عقلا ما دعا إليه حسن حنفي الذي جعل واقع المسلمين حَكما على الشرع. فنعرض عليه الشرع فما وافقه أخذنا به، وما خالفه تركناه. بمعنى أننا نقوم بعملية انتقاء نفعية، وهذا منهج باطل ومخالف للشرع والعقل معا. فأما شرعًا فإن الله تعالى حذرنا من أن نترك شرعه، وتوعد من يفعل ذلك بسوء الخاتمة، وأنكر على من يأخذ من الشرع ما يتفق مع هواه ويترك ما يخالفه. و دين الإسلام جاء ليغير الواقع ويتحكم فيه، وليس العكس، والله تعالى خلقنا لنعبده وفق شريعته التي انزلها إلينا لقوله سبحانه: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنس إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» -سورة الذاريات:56 - ،و «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» -سورة البقرة:85 - . لذا يجب أخذ الإسلام كله، ولا يصح إخضاعه للواقع لممارسة الاختيار والانتقاء على أساس من أهوائنا و مصالحنا الدنيوية. فدين الإسلام يرفض ذلك، وهو دين كامل شامل مُحكم يقوم على الإيمان والعمل الصالح ولا انفكاك بينهما.

وأما عقلا فإن من يقوم بعملية انتقاء للشرع فيأخذ منه ما يتفق مع هواه ومصالحه، ويترك ما يخالف ذلك، فهو قد أقام الدليل الدامغ على أن إيمانه بدين الإسلام ليس إيمانا صحيحا من جهة، وهو طعن في دين الإسلام ورد له من جهة أخرى. ومن يقول بذلك فهو متناقض مع نفسه ودينه بالضرورة، وهل يُعقل أن يعتقد إنسان ما أن القرآن وحي الله الخاتم، وأنه حجة الله على البشر، ثم يقول: أنا آخذ منه ما يتفق مع واقعي، واترك وأرفض ما يخالفه؟! وهل يُعقل أن نجعل واقعنا السيئ المريض حَكَما على الوحي الإلهي المطلق؟!.

(1) الدين والثورة في مصر، ج7، ص:239

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت