الصفحة 133 من 643

و واضح من موقف الرجل أنه يمارس الانتقاء حسب هواه ومصالحه. وهذا عمل مرفوض شرعا وعقلا، ولا يليق بأهل العلم النزهاء الصادقين. و هو موقف مارس صاحبه من خلاله التغليط والتدليس، والتلاعب بالشرع وضحك به على الناس. فماذا يبقى من دين الإسلام إذا جعلنا الواقع الفاسد الذي يعيشه المسلمون حَكَما عليه؟!.

و أما الموقف الخامس فيتمثل في زعم نصر حامد أبي زيد بأن الفكر الديني كغيره من أنواع الفكر محكوم بظروفه التاريخية والحقائق الاجتماعية لعصره [1] .

وأقول: إن قوله هذا فيه حق وباطل، فأما الحق الذي فيه فهو أنه لاشك أن الفكر البشري هو انعكاس للظروف العامة التي نشا فيها. و أما الباطل فيتمثل في حكمه العام الذي أصدره على كل فكر بما فيه الفكر الديني. فهذا حكم لا يصح على إطلاقه، لأن الفكر الصحيح الذي ينطلق من الوحي الصحيح، و يفهمه فهما صحيحا وفق المنهج الشرعي الصحيح، فإنه لا يمكن أن يكون-بالضرورة- محكوما بظروفه لأمرين أساسيين: الأول هو أن الوحي الذي اعتمد عليه ليس نتاجا بشريا، وإنما هو كلام الله المحكمة أصوله وأساسياته. و الثاني هو أن الفكر الذي يقوم على هذا الوحي هو فكر صحيح ثابت، و هو نتاج له وليس نتاجا للظروف التي ظهر فيها. ومن ثم فهو فكر صحيح صادق في كل زمان ومكان. لكن هذا لا ينفي بأن لهذا الفكر مواقف جزئية أخرى تكون انعكاسا لظروفه، لأنها وليدة اجتهادات ظنية قامت على مقدمات غير يقينية. لكن هذا لا يتعلق بالفهم الصحيح القائم على محكمات الشرع وأساسياته.

والموقف السادس يتمثل في أن حامد أبا زيد زعم أن «النصوص الدينية ليست في التحليل النهائي سوى نصوص لغوية. بمعنى أنها تنتمي إلى بيئة ثقافية محددة تم إنتاجها طبقا لقوانين تلك الثقافة التي تُعد اللغة نظامها الدلالي المركزي» .وهي -أي النصوص الدينية- نصوص لغوية شأنها شأن أية نصوص أخرى في الثقافة، وأن أصلها الإلهي لا يعني أن درسها وتحليلها يحتاج لمنهجية ذات طبيعة خاصة

(1) نقد الخطاب الديني، ص:197،198

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت