كان تابعا للوحي ولا استقلالية له. و ذلك أنه عندما أنزل الله تعالى آدم إلى الأرض وأمره وذريته بعبادته وفق دينه، كان كلما انحرف الإنسان عن الدين الحق أرسل الله إليه الأنبياء ليردوه إلى عبادة ربه، إلى أن كان خاتمهم محمد رسول الله - عليه الصلاة والسلام -.ومعنى هذا أنه ليس للواقع البشري ذاتية مستقلة عن خالقه، فهو تابع لا متبوع، فرع لا أصل، مَحكوم بالشرع لا حاكم عليه.
و آخرها -الوجه الثالث- مفاده هو أن الرجل أي- حامد أبو زيد- أكثر من الاستشهاد باللغة كدليل قوي على صحة زعمه بتبعية النص للواقع وإنسانيته. وهذا زعم باطل لأن اللغة ليست مصدرا للفكر، ولا هي مولدة له، وإنما هي وسيلة ووعاء لا غير. والفكر يُنسب لقائله وليس للغة التي يُتَكلم بها. والشواهد على ذلك كثيرة من الشرع والواقع معا. فمن الشرع أن الله تعالى أنزل وحيه ودينه على شعوب كثيرة بلغات مختلفة مع أن الدين واحد لقوله سبحانه: «شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ» -سورة الشورى:13 - فاللغة هنا كانت وسيلة لنقل الوحي وليست مصدرا له، فكان الدين واحدا و اللغات و الشعوب ُمتعددة. وكذلك أشار الله تعالى إلى دور اللغة في البيان والنقل في قوله سبحانه: «َمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ» -سورة إبراهيم:4 - . و عليه فإنه بما أن القرآن وحي الله، وهو بلسان عربي مبين، وأن اللغة هي مجرد وسيلة ,فإن وحي الله هو نفسه وحي الله حقيقة لم يتأثر باللغة التي نزل بها، ولا هي أثرت فيه، ولا أخرجته عن أصله.
و أما الشواهد من الواقع فمنها أننا إذا أتينا بأربعة أشخاص أديانهم مختلفة ولغتهم واحدة وطلبنا من كل واحد منهم أن يكتب لنا نصا عن دينه، فلا شك أن كل واحد سيكتب نصا عن عقيدته يكون مخالفا للنصوص الأخرى، مع أنها كُتبت كلها بلغة واحدة. فأين التأثير المزعوم للغة في تكوّن وإنتاج المفاهيم والعقائد والتصورات؟!. ومنها أيضا أننا إذا طلبنا من إنسان يُتقن 5 لغات مثلا أن يكتب لنا بكل لغة نصا عن عقيدته، فإنه بلا شك سيكتب خمسة نصوص كلها تحمل معنى