الصفحة 136 من 643

واحدا بخمسة لغات مختلفة. وهذا يعني - بالضرورة - أن العقل هو الذي يصنع الفكر ويولده و ليست اللغة التي هي وسيلة فقط. و بهذا يسقط ما زعمه الرجل، ولم يكن للغة العربية أي تأثير في القرآن الكريم من حيث مصدره ومضمونه، وخلوده واستقلاليته.

وثانيا إنه بما أن الأمر كما بيناه فإن الوحي لم يكن انعكاسا للواقع ولا نتاجا له، و بذلك يسقط ما زعمه حامد أبو زيد وسيد القمني من أن الواقع يحوّل الوحي إلى نصوص بشرية. فالوحي مازال إلهيًا، و لم يتغير بتعامل البشر معه، و هذا لا يمس أبدا مضمونه ومصدريته وخلوده. فعندما يطبق المسلم نصا شرعيا فهذا لا يؤثر في مضمونه ومصدريته، كأن يصلي، أو يُزكي، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر استجابة لأوامر الوحي. فهذا لا ُيحوّل الوحي إلى نص بشري أبدا، و يبقى وحيا إليها مهما قرأناه وتفاعلنا معه، وطبقناه في الواقع. فكل هذا لن يؤثر فيه، ويبقى هو الآمر الناهي، والموجه والرقيب.

و أما حكاية أن النص أصبح نصا تاريخيا، فهذا فيه حق وباطل، فأما الحق فهو أن الوحي له تاريخ من جانبين: الأول هو أن الوحي نفسه سجل بذاته حوادث تاريخية عند نزوله، كقوله سبحانه: «قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ» -سورة المجادلة:1 - . والثاني هو أن الوحي له تاريخ يشهد على بداية ومكان نزوله وتوقفه، وهذا يشهد له التاريخ والشرع معا.

وأما الباطل في كلامه فهو زعمه بأن مضمون الوحي أصبح أيضا نصا تاريخيا. بمعنى أنه محكوم بظروفه التاريخية التي نزل فيها، ومن ثم أصبح غير صالح لكل زمان ومكان، فهو محكوم بتاريخيته. و هذا زعم باطل بالضرورة من دين الإسلام، وقد سبق أن أبطلنا ذلك عندما أثبتنا أن الوحي الإلهي لم يكن انعكاسا لواقع ولا للغة ولا لثقافة.

وأما زعم حامد أبي زيد من أن دراسة الوحي لا تحتاج إلى منهجيات ذات صبغة خاصة تتناسب مع طبيعتها الإلهية. فهذا زعم لا يصح لأن الوحي الإلهي إذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت