كان يشبه النصوص البشرية في أنه مثلها مكتوب بلغة بشرية، فإنه مع ذلك يختلف عنها اختلافا جوهريا وأساسيا، هو أنه كلام الله المعجز الكامل الذي لا يأتيه الباطل أبدا. وعليه فإن دراسة الوحي دراسة صحيحة وعلمية وحيادية تستلزم استخدام مناهج الشرع نفسه في الفهم والاستدلال، والتفسير و اللغة العربية، والشرع قد نص على ذلك وتضمنه بوضوح [1] . لذا فإن أي قراءة للوحي من خارجه، وبغير مناهجه فهي قراءة منحرفة ناقصة عاجزة عن الفهم الصحيح للوحي، و ستكون كثيرة الأخطاء والأباطيل والتحريفات، كما هو حال مصنفات أدعياء العقلانية الذين رددنا على بعضهم في كتابنا هذا. فهؤلاء الباحثون الأخطاء والانحرافات هي الأصل عندهم، والصواب هو الاستثناء عندهم. لأن الانحراف في منهج الفهم والاستدلال يؤدي بالضرورة إلى كثرة الأخطاء وقلة الصواب، مقابل الصواب في المنهج الذي يؤدي بالضرورة إلى كثرة الصواب وقلة الأخطاء، و التي سببها في الغالب هو الخطأ في تطبيق المنهج وليس في المنهج نفسه.
وبذلك يتبين أن مزاعم حامد أبي زيد لم يثبت منها ولا زعم واحد من جهة، و أنه لم يُقمها على حقائق التاريخ ولا الشرع ولا الواقع من جهة أخرى. بل أن هذه المصادر والمعطيات-التي اعتمد عليها- هي نفسها أثبتت خلاف مزاعمه، وبينت بطلانها. و اتضح أيضا أنه لم يكن موضوعيا و لا عقلانيا في طرحه لمزاعمه ودفاعه عنها من جهة، معتمدا على الشبهات والمغالطات، والتحريفات والافتراء على الشرع والعقل والواقع من جهة أخرى.
و أما الموقف السابع فمفاده أن حامد أبا زيد أنكر على من قال: إنه يوجد إسلام واحد وكتاب واحد، ولا يوجد إسلام متعدد: فلا يوجد إسلام تقدمي وآخر رجعي ولا إسلام ثوري وآخر استسلامي، و لا إسلام سياسي وآخر اجتماعي، ولا إسلام للسلاطين وآخر للجماهير. ثم عقب على ذلك بقوله: إن ذلك القول ينقضه تاريخ الإسلام ذاته، الذي يشهد تعددا في الاتجاهات، والتيارات، والفِرَق التي صاغت مواقفها بالتأويل والاجتهاد في فهم النصوص. ثم زعم أن الإصرار على وجود
(1) سنفصل منهج الفهم والاستدلال الشرعي في مبحث لاحق من هذا الفصل إن شاء الله تعالى.