الصفحة 138 من 643

إسلام واحد، و رفض التعددية الفعلية في الواقع، يؤدي إلى نتيجتين: الأولى هي أن «الإسلام معنى واحد ثابت لا تُؤثر فيه حركة التاريخ، ولا يتأثر باختلاف المجتمعات» . والثانية هي أن «هذا المعنى الواحد الثابت تتملكه جماعة من البشر هم علماء الدين قطعا. و أن أعضاء هذه الجماعة مبرؤون من الأهواء والتحيزات الإنسانية والطبيعية» [1] .

وردا عليه أقول: أولا إن الرجل مغالط ومدلس أنكر حقيقة هي كالشمس في رابعة النهار، و هي أن الإسلام دين واحد مصدره القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة الموافقة له. إنه دين غير مُتعدد، و لم يتعدد، و لن يتعدد مستقبلا، وهذه حقيقة موضوعية معروفة بالضرورة من دين الإسلام. كما أنه لا يصح تجزئة الإسلام وتسميته بالإسلام السياسي، أو الاجتماعي، أو إسلام السلاطين، أو الجماهير ... إنما يجب وصفه بأنه دين واحد اسمه الإسلام، لقوله سبحانه: «وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ» -سورة آل عمران:85 - ،و {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} -سورة آل عمران:19 - ، و {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} -سورة الأنعام:153 - . فتلك التسميات ليست إسلاما، وإنما هي فُهوم واتجاهات ومذاهب وأهواء قال بها أصحابها وهي التي تعددت وليس الإسلام، و هي ما تزال تتعدد إلى يومنا هذا.

و الصحيح منها هو الفهم الشرعي الصحيح، هو الذي يلتزم بالمنهج الشرعي في تفسير الوحي و فهمه. و هذا الفهم ليس حكرا على أحد، و لا على جماعة بعينها كما زعم الرجل، و إنما هو حكر على كل من التزم بالشرع: منهجًا، و فهمًا، و سلوكًا.

وأما ذكره لتاريخ الإسلام واستشهاده به، فهو دليل ضده لأن تاريخ الإسلام والمسلمين يشهدان على أن الذي تعدد ليس هو دين الإسلام نفسه، وإنما الفهوم والمذاهب والاتجاهات هي التي تعددت، فظهرت الخوارج والشيعة والمعتزلة وأهل

(1) نقد الخطاب الديني، ص:79

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت