الصفحة 140 من 643

والمصدر، والآمر والناهي، والمتحكم في الواقع والموجه له. و هو يواكب التغيرات والتحولات البشرية، ولا يصطدم بالصحيح منها، و إنما يحث عليها ويرعاها ويأمر بها بأصوله وتشريعاته، وروحه و مقاصده. فهو دين يُشرِّع ولا يُشرَّع له، و يأمر ولا يُؤمر، و ينهي ولا يُنهى، و يهيمن ولا يُهيمن عليه.

وأما النتيجة الثانية فالأمر ليس كما صوره حامد أبو زيد، فليس صحيحا أن الفهم الواحد للدين يؤدي بالضرورة إلى ظهور جماعة من علماء الدين تمتلك المعنى الواحد الثابت للدين. لأن المعنى الواحد الصحيح للشرع في أصوله ومحكماته هو من المعروف من دين الإسلام بالضرورة، ولا يستطيع محرف أن يبطله، ولا هو ملك لأحد، ولا لجماعة بذاتها. ومن المفروض أن يكون قاسما مشتركا بين كل طوائف أهل العلم، بل وبين كل المسلمين، لأنه ليس من المتشابه الذي قد تختلف حوله الاجتهادات والتفسيرات. وهذا يعني أن هذا الفهم الواحد الصحيح لا يمكن أن يكون خاصا بجماعة، أو طائفة، أو مذهب واحد ولا ينكره إلا أهل الأهواء. فالذي حذر منه الرجل لا يصح، ومن يصر على ذلك فهو متبع لهواه لا للشرع ولا للعقل.

و بذلك يتضح أن الفهم الواحد الصحيح للشرع ليس هو كما حذر منه الرجل وإنما هو عامل جمع وقوة للأمة من جهة، و لا يكون عامل تنازع واختلاف وتناقض من جهة أخرى. وإنما هو يُمثل أساسا قويا وواسعا تقوم عليه اجتهادات واختيارات أهل العلم.

و واضح من مزاعم الرجل أنه يرمي إلى هدم الإسلام كلية، لأن نفي وجود ثوابت و أصول لدين الإسلام يؤدي إلى ذلك الهدم بالضرورة من جهة؛ كما أن ذلك الزعم يؤدي أيضا إلى أنه لا وجود للمذاهب، ولا للأديان، ولا للعلوم من جهة أخرى، لأنه لا وجود لها دون ثوابت وأصول تقوم عليها. و عليه فإن مزاعم الرجل هي عامل هدم لا بناء، و هذا دليل دامغ على بطلانها أيضا. و الرجل نسي، أو تناسى أنه مُتناقض مع نفسه عندما قدم لنا فكره كثابت صحيح احتكم إليه وطبقه على الإسلام من جهة، و نفى به ثوابت الإسلام و أصوله من جهة أخرى!! فلماذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت