الصفحة 141 من 643

فكره و فهمه له ثوابت وأصول و الإسلام ليس له ذلك؟، و لماذا التغيرات التاريخية تفرض نفسها على الإسلام فتغيُرها و تُخرجه عن أصوله حسب زعم الرجل، و لا ينطبق ذلك على فكره و مزاعمه أيضا؟!.

علمًا بأن الفهم الواحد الثابت الصحيح لدين الإسلام هو من بديهيات الشرع وليس خاصا بجماعة معينة من المسلمين. ولا هو يؤدي إلى ما حذر منه الرجل، ولا يوصل إلى القول بعصمة فرد أو جماعة معينة، فلا عصمة لأحد من البشر بعد رسول الله - عليه الصلاة والسلام -. ولا يقول بخلاف هذه الحقائق و الثوابت إلا أهل الأهواء المفترون على الشرع والعقل، والواقع والعلم. والرجل أنكر ثوابت الشرع ليصل إلى تحقيق غايات في نفسه تتضح جليا في الموقفين الثامن والتاسع الآتيين.

و الموقف الثامن يتعلق بموضوع التاريخية وتعني أن كل حادث تاريخي محكوم بظروفه التاريخية التي ظهر فيها، ولا يتجاوزها، ولا يصح إخراجه منها. وبهذا قال حامد أبو زيد وطبقه على النصوص الشرعية أيضا، فزعم أنها محكومة بزمانها ومكانها، وظروفها وملابساتها، واستنكر على من يجعلها ناطقة خارج تلك الظروف [1] . ومن يفعل ذلك-حسب زعمه- فقد أهدر بعدها التاريخي الذي يحكمها ونزلت فيه، فيقع فهمها في الحاضر ونصها ينتمي إلى الماضي لغة على الأقل [2] .

وأقول: أولا إن مبدأ التاريخية يصدق بنسبة كبيرة جدا على البشر فكرا وسلوكا، بل هو القاعدة الأساسية في ذلك. لأن الإنسان مهما أوتي من عبقرية وقوة وقدرات، فهو -مع ذلك- إنسان نسبي ناقص محدود القدرات، محكوم بظروفه المحيطة به. لكن هذا ليس حُكما مطلقا بحيث لا يمكن تجاوزه أبدا. فهذا لا يقع بهذه الصرامة، لأنه في مقدور بعض أهل العلم أن يتنبأ بأمور مستقبلية، فتقع كما تنبأ بها. لأنه قام بقراءة علمية للمستقبل على ضوء الماضي والحاضر، واستشراف المستقبل، وبذلك فإنه قد يُوفق في وضع حلول للمستقبل يصدق بعضها أو أكثرها.

(1) التفكير في زمن التكفير، ص:154

(2) نقد الخطاب الديني، ص:79

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت