الصفحة 142 من 643

كما أنه يستطيع أن يطرح أفكارا عملية تستمر مطبقة في الواقع فترة طويلة، وتتجاوز بذلك ظروفها التي ظهرت فيها. وهذا كله يدخل في إطار علم المستقبليات، وهو من باب الاحتمال والترجيح وليس من باب اليقين المطلق، لكنه - مع ذلك- يُمكن لجانب منه أن يتجاوز تاريخه التي ظهر فيه. و بما أن هذا قد يصدق على بعض الأفكار البشرية نسبيا زمانا و مكانا، فإنه من باب أولى أن يصدق كلية على الوحي الإلهي الذي جعله الله تعالى خاتما للرسالات.

و بما أن الأمر كذلك فإنه كان على الرجل أن لا يُخلط بين الحوادث البشرية وبين كلام الله تعالى. لكن يبدو أن الرجل تعمد فعل ذلك لغايات في نفسه، لأن الفرق بين أفعال البشر و كلام الله معروف بدليل الشرع و العقل. فالوحي الإلهي الخاتم-القرآن- في أصوله و عمومه، و أساسيات فروعه لا يمكن أن يخضع للتاريخية التي تحكم الحوادث البشرية. لذا فإنه لو كان الوحي الإلهي يخضع للتاريخية ما جعله الله تعالى خاتما للرسالات، وما تحدى به الإنس والجن إلى يوم القيامة، وما جعله شريعة خالدة صالحة لكل زمان ومكان.

فمضمون الوحي الإلهي الخاتم يأبى التاريخية ويتحداها، ويتجاوزها ولا يقبلها. من ذلك أن القرآن الكريم اخترق حجب غيب الماضي والمستقبل فتكلم عن الماضي: نشأة وتاريخا، وعن المستقبل: أحداثا ومصيرا. و كان يكشف عما يجول في نفوس المنافقين ومرضى القلوب قبل أن يظهر ذلك عليهم من سلوكياتهم. و كان يتحدى هؤلاء وغيرهم في أمور اختيارية لم تصدر منهم بعد، و في مقدورهم تجنبها إن أرادوا، لكنهم-مع ذلك- يفعلونها، ويصدر عنهم ما حذر منه القرآن الكريم، كقوله تعالى: «سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ» -سورة البقرة:142 - ، و «سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا» -سورة الفتح:11 - ،و «سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت