الصفحة 143 من 643

شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُوا بَاسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ» -سورة الأنعام:148 - .

و أما فيما يخص الأحكام الشرعية فالأمر ليس كما زعم الرجل أيضا، لأنها أحكام صالحة لكل زمان ومكان، وليست مرتبطة بالظروف والأسباب التي نزلت بسببها لأن العبرة في عموم اللفظ وليست في خصوص السبب، و في ختام الرسالة و عالميتها. فإذا كانت بعض المحرمات لها أسباب نزلت بسببها، كتحريم الخمر، والزنا، والقذف فهي أوامر وأحكام شرعية يستمر العمل بها، وليست مرتبطة بأسباب نزولها. لذا جاءت أحكاما عامة تنطبق على كل المسلمين، وتشمل كل زمان ومكان. فالخمر حرام إلى يوم القيامة، والصلاة واجبة على كل مسلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. و هناك أحكام أخرى نزلت بسبب حادث فعله مسلم واحد، لكن الحكم نزل عاما خاطب المسلمين كلهم، ولم يكن خاصا بفرد ولا بمكان ولا بزمان. وهناك نصوص شرعية أخرى نزلت بلا سبب نزول، فليس لها مناسبة خاصة بها، كقوله تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا» -سورة التوبة:103 - ، و «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» -سورة المائدة:6 - [1] .

فالوحي الإلهي الخاتم ليس محكوما بظروفه التي نزل فيها ولا هو يفقد صلاحيته. لأن أحكامه عامة مطلقة تصلح لكل زمان ومكان، والشريعة جمعت بين الثبات في أصولها وبين الاجتهاد في الفروع الجزئية المتغيرة، و بها تواكب التحولات البشرية. وأما حكاية اللغة التي كررها الرجل هنا، فقد سبق أن أبطلنا مزاعمه المتعلقة بها، وبينا أن لغة القرآن لم تتغير وهي مُتضَمّنة في القرآن نفسه، وفي السنة النبوية

(1) عمر سليمان الأشقر: تاريخ الفقه الإسلامي ... ،ص:40

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت