الصفحة 144 من 643

الصحيحة الموافقة له. ومن ثم فإن الشرع يحتوي بداخله معجمه اللغوي الذي يشرح به نفسه بنفسه. لذا كانت أحكام الشرع ومفاهيمه الأساسية مُحكمة ثابتة لا تتغير لأنها من ضرورياته.

و واضح أيضا أن الرجل يريد أن يقول: إن الإسلام كان وليد ظروفه التاريخية التي ظهر فيها، وبما أنها تغيرت، فهو لم يعد صالحا لزماننا هذا، وإن كان صالحا لزمانه. وهذا افتراء على الشرع والواقع، المقصود منه تعطيل شرع الإسلام لإحلال العلمانية التي يؤمن بها الرجل محله [1] .

وأما الموقف التاسع- الأخير من المجموعة الثانية- فيتعلق بتطبيق الرجل للتاريخية المزعومة على بعض أحكام الشرع، كشواهد على زعمه بخضوع الوحي للتاريخية التي تتحكم في سلوكيات البشر والشرع معا. فذكر على ذلك أربعة أمثلة كشواهد للاستدلال بها على أن بعض الأحكام الشرعية تجاوزها التطور التاريخي، ومن ثم فهي قد فقدت صلاحياتها. وهذه النماذج تتعلق بالرق، والجزية، و الربا، وميراث المرأة.

فبالنسبة للرق فقد ذكر الرجل أن تطور المجتمعات تجاوز نظام الرق الذي أصبح غير صالح لزماننا، و قد كان للإسلام دور ايجابي في التعامل مع نظام الرق والحد منه. و الرق اليوم قد اختفى وأصبح من الماضي، الذي ليس من المجدي التمسك بمغزى الموقف الإسلامي إلا على سبيل الاستشهاد التاريخي لا غير [2] .

و أقول إن الرجل أخلط الحق بالباطل، و وجه الأمر لتأييد زعمه بأن الوحي خاضع للتاريخية، وأن التطورات التاريخية قد تجاوزت بعض أحكامه، وأصبحت غير صالحة لزماننا. و هذا زعم لا يصح إصداره لأن اختفاء بعض الأحكام الشرعية أو معظمها من التطبيق العملي من حياة المسلمين، لا يعني أن الزمن قد تجاوزها، أو أنها أصبحت غير صالحة للتطبيق، وإنما يعني أن الإسلام انحصر من حياة المسلمين كمجتمع ودولة. و هذا عيب في المسلمين لا في الإسلام. كما أن ذلك لا يدل على عدم صلاحية أحكام الشرع المعطلة. لذا فإنه إذا عادت دولة

(1) سنخصص لهذا الموضوع الفصل الأخير إن شاء الله تعالى.

(2) نقد الخطاب الديني، ص:210،220

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت