الإسلام الحقيقية إلى حياة المسلمين بالشورى والعدل، و الإخاء و التعاون، و العلم و العمل فإن أحكام الإسلام الصحيحة ستعود كلها للظهور تدريجيا.
وأما موضوع الرق فإن الإسلام لم يأمر به، و لا حث عليه، و لا شجعه و إنما حث على التخلص منه، و شرع له أحكاما لتحقيق ذلك. فرغّب في العتق و جعله من القربات، و ربطه ببعض الكفارات، و فتح المجال للعبيد بالتخلص منه عن طريق المكاتبة، و خصص من مصاريف الزكاة مالا لفك الرقاب و عتقها. و قبل كل ذلك سوى بين البشر، و أمر بالعدل بينهم، و جعل أكرمهم عند الله أتقاهم. و النصوص الدالة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: «فَكُّ رَقَبَةٍ» -سورة البلد:13 - ،و «تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ» سورة المائدة:89 - ،و {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي} -سورة النور:33 - ،و «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» -سورة التوبة:60 - .
و بناء على ذلك فإنه لا يصح القول: إن أحكام الرق في الإسلام قد تجاوزها الزمن. لأن هذه الأحكام لم يكن هدفها تكريس الرق ونشره والتشجيع عليه، وإنما كان هدفها تضييق مجاله، والتخلص منه تدريجيا بطريقة صحيحة. و عليه فإن إلغاء الرق في القرن 19م ومنع المتاجرة في الرقيق هو هدف إسلامي تحقق على يد غير المسلمين، و ليس هو تعطيلا لأحكام الرق في الإسلام التي هي نفسها لم تُشرع لتكريسه، وإنما تعاملت معه بطريقة حكيمة وشرعت للتخلص منه مرحليا. فلو كان هدفها خلاف ذلك، لما شرعت تلك الأحكام للتخلص منه. و عليه فإن إلغاء الرق هو هدف ومطلب إسلامي، و تحقيقه في الواقع ليس تعطيلا لأحكام الإسلام، و إنما هو تطبيق لها.
وأشير هنا إلى أنه إذا كان الرق ممنوع دوليا في زماننا هذا فإنه لا يوجد أي مانع نظري من إمكانية أن يعود نظام الرق إلى حياة البشر مستقبلا في أي شكل من الأشكال. والشاهد على ذلك مثالان: الأول يتمثل في الاستعمار الغربي الحديث،