الصفحة 146 من 643

فهو ضرب من ضروب العبودية والرق. فهو في الوقت الذي ألغى رق الأفراد و المتاجرة بهم، فأنه استعمر الشعوب الضعيفة وحولها إلى أمم مسترقة، فعاملها معاملة العبيد في مختلف جوانب الحياة، كما حدث في استعمار فرنسا للجزائر لمدة 132 سنة. وهذا الاستعمار ممكن أن يعود في أي زمن من الأزمان، كاحتلال الولايات المتحدة لأفغانستان والعراق. و أما المثال الثاني فهو أنه إلى يومنا هذا مانزال نسمع ونقرأ في وسائل الإعلام المختلفة بوجود ما يعرف بالتجارة في البشر.

وفيما يخص موضوع الجزية المفروضة على أهل الذمة في المجتمع الإسلامي، فإن حامد أبا زيد يرى أن التطور التاريخي أسقط الجزية في العلاقة بين المسلم وغير المسلم. فتغير الوضع واستقر على مبدأ المساواة، بصرف النظر عن الدين، واللون، والجنس، ولا يصح التمسك بالجزية بعدما أسقطها التطور التاريخي [1] .

و أقول: أولا لا يصح القول بأن التطور التاريخي أسقط حكم الجزية من الشرع، لأن الواقع البشري ليس حجة على الشرع، وإنما الشرع هو حجة عليه. لأن الواقع الحاضر ليس إسلاميا، فكيف يكون حجة على الإسلام؟. فعندما تعود دولة الإسلام الحقيقية بنظامها و مجتمعها الإسلاميين، فإن أحكام الإسلام الصحيحة ستعود إلى الواقع لتحكم المجتمع الإسلامي. منها ما يتعلق بالعلاقة بين المسلمين وأهل الذمة الذين يعيشون بينهم، فعليهم دفع الجزية ولهم كامل الحقوق الطبيعية والإنسانية التي كفلها لهم الشرع. و من حق الإسلام على الذين يعيشون في دولته أن يفرض عليهم ذلك، كما فرض على المسلمين دفع الزكاة، وطالبهم بدفع أموال أخرى لقوله تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» -سورة التوبة:103 - ،و {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ} -المعارج:24 - ،و «وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» -سورة الذاريات:19 - .

و ثانيا أنه من حق أي دولة أن تفرض على رعيتها ضرائب عادية بناءا على منطلقها الديني، أو المذهبي، أو العرفي، أو المصلحي، أو الوطني. وبما أن دولة

(1) نفسه، ص:210

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت