الصفحة 148 من 643

و بناء على ذلك فإن التفريق والتمييز بين الرعية ما يزال قائما في الدولة الواحدة، وهذا خلاف ما أراد أن يوهمنا به الرجل. فلماذا لا يُعاب على تلك الدول في التفريق بين مواطنيها على أساس الجنسية، و يُعاب على الإسلام لأنه فرق بين البشر على أساس دين الإسلام الذي جعله الله تعالى مقياسا فاصلا بين عباده؟!. إنه لا يصح الاعتراض على الله تعالى في جعله الإيمان والعمل الصالح هما الحد الفاصل بين عباده. فهناك إذن مقياسان: الهي رباني، وبشري علماني، فأيهما الصحيح و الأولى بالأخذ؟!.

و أما بالنسبة لميراث المرأة في شريعة الإسلام فإن نصر حامد أبا زيد زعم أن النصوص الشرعية ليست لا «تساوي بين الرجل والمرأة في الميراث فقط، بل في جميع التشريعات، وإن كانت تساوي بينهما في العمل والجزاء الدينيين» . من ذلك نصيب المرأة في الميراث، فتأخذ نصف نصيب الرجل بعدما كانت مستبعدة تماما وهي في تبعية تامة له [1] .و قال بذلك أيضا الكاتب جورج طرابيشي عندما زعم بأن حق المرأة في الميراث حسب الشريعة الإسلامية نصف حق الرجل، وهذا إجحاف في حقها حسب زعم الكاتب [2] . و قد علق حامد أبو زيد على كلامه السابق بقوله: «اتجاه الوحي واضح تماما، وليس من المقبول أن يقف الإجهاد عند حدود المدى الذي وقف عنده الوحي. و إلا انهارت دعوى الصلاحية لكل زمان ومكان من أساسها. و اتسعت الفجوة بين الواقع المتحرك المتطور، وبين النصوص التي يتمسك الخطاب الديني المعاصر بحرفيتها» [3] .

وأقول: أولا لا يصح النظر إلى أحكام الإسلام من خارج عقيدته وأصوله، فهي تنسجم معها تماما من جهة، و مع العقل الصريح والعلم الصحيح، والواقع السليم من جهة أخرى. لكنها لا تنسجم مع ما يخالف ذلك، وعليه فلا يصح أن يكون الواقع البشري المنحرف حَكَما على الوحي الإلهي. لأن الواقع الصحيح لا يُخالف الوحي الصحيح أبدا، بل هو موافق و تابع له. و موضوع الميراث هو مثال على

(1) حامد أبو زيد: نفس المرجع، ص: 135،223

(2) جورج طرابيشي: العلمانية كجهادية - القسم الثاني من المقالة، على موقع أوان في شبكة الأنترنت يوم 1/ 16/2008

(3) حامد ابو زيد: المرجع السابق، ص:135

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت