الصفحة 151 من 643

وأمرنا بإتباعه، وتوعدنا بالخسران المبين إن خالفناه في ذلك. وهذا يعني أنه لا يحق، ولا يصح أن نُغير أحكام الشرع من أجل الواقع المزعوم. وإنما المطلوب منا هو أن نغير واقعنا، ونُخضعه للشرع وليس العكس. وليس من العقل ولا من المقبول أن ندعو إلى تغيير الشرع بدعوى الاجتهاد لنجعله موافقا مع أهوائنا ومصالحنا وشهواتنا. فهذه الدعوة لا مبرر لها من الشرع الصحيح ولا من العقل الصريح، وإنما هي دعوة ماكرة تعمل لهدم الإسلام باسم الاجتهاد انتصارا للعلمانية و خدمة للأهواء.

و أما قول حامد أبي زيد من أن الخطاب الديني المعاصر هو الذي يمنع الاجتهاد في الأحكام الشرعية لتغييرها وجعلها مسايرة للواقع المعاصر. فهو قول فيه تغليط وتحريف وافتراء على الشرع والخطاب الديني معا، لأن الذي يمنع تحريف الشرع وهدمه باسم الاجتهاد هو الدين نفسه أولا، ثم الخطاب الديني الصحيح ثانيا بأمر من الشرع نفسه، وليس من عند الخطاب الديني نفسه. فالله سبحانه هو الذي أمرنا بإتباع شرعه، وحذرنا من الانحراف عنه، ونهانا عن التأويل التحريفي الفاسد، لقوله سبحانه: «وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» -سورة الأنعام:126 - ،و «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا» -سورة المائدة:3 - ، و «ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» -سورة الجاثية:18 - ،و «َفأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ» -سورة آل عمران:7 - .

و واضح من ذلك أن الرجل يريد الوصول إلى تحريف الشرع وهدم قواعده بدعوى مسايرة الواقع، وجعل الشريعة صالحة لكل زمان و مكان حسب زعمه، وعدم الوقوف في وجه التطورات البشرية في مختلف مجالاتها. وعمله هذا لا يقبله دين ولا عقل، ولا مذهب ولا علم، لأنه يهدم ولا يبني، والاجتهاد في الثوابت والأصول يؤدي إلى التقويض والهدم و لا يؤدي إلى البناء والتطوير. والغريب في الأمر أن ذلك العمل رضيه الرجل للإسلام ولم يرضاه لمذهبيته وعلمانيته. فهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت