الصفحة 153 من 643

للشرع شيء!، وماذا يبقى من الإسلام إذا غيرنا أحكامه وحرفنا شريعته؟! فلا يبقى إسلام ولا شريعة، ولا يصح تسمية تلك التحريفات بأنها إسلام. لأن الإسلام هو شرع الله، وإذا حرفناه وبدلناه بشرائع البشر اختفى الإسلام وحلت محله العلمانية التي يؤمن بها حامد أبو زيد ويدعوا إليها. وهذا هو الذي يعمل الرجل للوصول إليه بدعوى مسايرة التطورات ومواكبتها. و هذا تحريف وتلاعب مرة باسم الإسلام و الاجتهاد، ومرة باسم الواقع والعقل، ومرة باسم التطورات التاريخية، كل ذلك ليصل إلى تحقيق غايات في نفسه خطط لها سلفا.

و أما الفجوة التي حذر منها حامد أبو زيد من أنها ستتسع بين الواقع والوحي عندما لا نُخضع أحكام الوحي للتغيير ومساير الواقع. فهو تحذير باطل، و فيه تغليط وتدليس على القراء. لأن تلك الفجوة وُجدت واتسعت ليس بسبب عدم صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، وإنما وجدت بسبب انحراف الواقع عن الشرع الصحيح، والعقل الصريح من جهة، والإصرار على الانحراف وإتباع الأهواء والشبهات من جهة ثانية، وإبعاد الشرع من أن يحكم الإنسان في كل جوانب حياته من جهة ثالثة. لذا فإن تلك الفجوة ليست حجة على الشرع، وإما هو الذي حجه عليها، وهي ثمرة مرة لانحراف الإنسان، وبعده عن الوحي الصحيح والعقل الصريح.

وأما المثال الأخير- الرابع- فيتعلق بالربا، و مفاده أن حامد أبا زيد زعم أن الربا المذكور في النص تجاوزه الزمن، لأن معناه الأصلي اختفى من المعاملات الاقتصادية، ولا يصدق ذلك المعنى على ما يسمى بالأرباح أو الفوائد في النظام الاقتصادي الحديث [1] .

و قوله هذا لا يصح، وفيه تغالط وتدليس على القراء، وفيه أيضا افتراء على الشرع والواقع معا. لأن القروض المالية السائدة في الوقت الحاضر بين الدول والبنوك والتجار هي قروض ربوية تندرج ضمن ربا النسيئة المحرم شرعا. وهو القرض الذي يجر نفعا على صاحبه، ويقوم على الزيادة المشروطة يأخذها الدائن

(1) نصر حامد أبو زيد: نقد الخطاب الديني، ص:213

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت