الصفحة 155 من 643

والأمر. والوحي هو الحَكَم وليس الإنسان، ولا العقل ولا الواقع، ولا الطبيعة و لا أي مخلوق آخر. لكن الرجل مغالط ومحرف فزعم أن الوحي الإسلامي نداء من الواقع، وليس فرضا عليه. و هذا لا يصح، و الحقيقة هي خلاف زعمه، لأن الوحي هو نداء من السماء إلى الواقع وتفاعل معه من جهة، وفَرْض عليه من خالقه أحب أم كره من جهة أخرى. وقد حارب المشركون وأهل الكتاب الوحي الإلهي لكنه قهرهم وفرض سلطته عليهم، وأزاح كل الحواجز التي وقفت أمامه. فالوحي الإلهي فرض نفسه على الواقع فرضا بالقوة، و لم يكن نداء من الواقع، فلو كان نداء منه ما حدث الذي حدث بينهما. وهذه حقيقة شرعية وتاريخية متواترة لا يمكن الشك فيها.

وأما حكاية الواقع أسبق من الفكر من حيث مناهج التغيير، فهذا لا يصح وهو نظرة جزئية للموضوع، لأن الحقيقة هي أن الواقع فكر والفكر واقع، وكل ما في الواقع انعكاس للإنسان بفكره وأهوائه وغرائزه. فلا معنى لهذا التفريق من أجل الزعم بأن الواقع أسبق من الوحي والعقل معا. فهذا زعم باطل وتغليط وتدليس وتلاعب بالألفاظ.

و لو كان الواقع هو المتحكم في الوحي لنزل الوحي في كل مكان و زمان، ولما توقف الوحي من النزول أبدا، و لنزل على آلاف البشر. لأن الواقع البشري كله يحتاج إلى الوحي الإلهي في كل أحواله و أزمانه. ولماذا لم يظهر رسول بين عيسى ومحمد -عليهما الصلاة والسلام-؟ ولماذا لم يظهر نبي آخر بعد محمد- عليه الصلاة والسلام -.فالزعم الذي قاله الرجل باطل شرعا، وعقلا، و واقعا. و الصواب في ذلك هو أن الله هو المتحكم في الوحي لا الواقع.

وأما حادثة تحريم الخمر فهي كغيرها من حوادث التشريع لا علاقة لها بما زعمه الرجل. الذي نظر إليها بطريقة غير صحيحة ذات خلفية مذهبية ليصل إلى غايات في نفسه. أنه قطع الحادثة من أصلها ومحيطها، و وجهها وجهة غير صحيحة، لأن تحريم الخمر لو كان تابعا للواقع لما تم تحريمه أصلا، لأن شرب الخمر كان متجذرا في الواقع ويكاد من المستحيل أن يتخلى عنه الناس. وهذا يعني

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت