أنه كان على الوحي أن يستجيب لذلك فيحلله، أو يسكت عليه ولا يحرمه أصلا، بحكم زعم الرجل بأن الوحي كان نداء من الواقع، فما على الوحي إلا أن يستجيب له و يُسايره. لكن الذي حدث خلاف ذلك تماما فالوحي هو الذي اوجد المجتمع المسلم من بين المجتمع الجاهلي. ثم بدأت التشريعات تنزل تدريجيا لتغير الواقع الجاهلي وبناء المجتمع الإسلامي. منها تحريم الخمر، فأشار أولا إلى أن ضرره و إثمه أكبر من نفعه، في قوله سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} -سورة البقرة:219 - . ثم هيأ النفوس لتكون أكثر تقبلا و تهيأ للتحريم في قوله تعالى: «لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ» -سورة النساء:43 - . ثم حرمها نهائيا في قوله سبحانه: «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» -سورة المائدة:9 - . فالوحي هو الذي اوجد المجتمع الإسلامي، ثم هو الذي رباه و حرم عليه شرب الخمر، فاستجاب الواقع للوحي، ولم يحدث العكس. فمن الذي اوجد المجتمع المسلم؟، ومن الذي غير الأخر و كانت له الغلبة؟.
وما يبطل زعمه أيضا هو أن السيرة النبوية شاهدة على رفض الواقع للوحي، وهذا خلاف ما زعمه الرجل و أراد أن يوهمنا بزعمه. فدعوة الإسلام واجهت مقاومة شديدة من قريش واليهود، والمنافقين وغيرهم من العرب والعجم. فهذه المعارضة الشديدة والمتنوعة والواسعة دليل قاطع على أن الوحي الإسلامي لم يكن نداء من الواقع، فلو كان كذلك لاحتضنه الواقع ولما قاومه. و عليه فإن الحقيقة هي أن الوحي كان نداء من السماء لتغير أوضاع الأرض. فتفاعل مع الواقع و تصارع معه حتى انتصر عليه، وفرض نفسه عليه، و هذا تحقيق عملي لقوله سبحانه: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» -سورة الصف:9 - .
والموقف الثاني مفاده أن حسن حنفي زعم أن أسباب النزول تعني أولوية الواقع على الفكر وأنه أساس النقل أيضا [1] .
(1) الدين والثورة في مصر، ج8، ص:25،. ومن العقيدة إلى الثورة ج1،ص:369