و قوله هذا لا يصح أقامه على التغليط والتدليس، وإغفال حقائق الشرع والعقل والواقع، و التي نصت صراحة على خلاف زعمه. لأنه أولا لا يصح إدراج الوحي الإلهي ضمن عبارة الفكر، لأن الفكر خاص بالإنسان أما الوحي فهو كلام الله تعالى يُسمى وحيا وكلاما ولا يسمى فكرا، لأن الشرع سماه وحيا و كلاما لا فكرا.
وأما الواقع الذي سبقه الرجل على الوحي والفكر فقد سبق أن بينا بطلان زعمه هذا، و بينا أن الوحي أسبق من العقل و الواقع معا، فلا نعيده هنا. وأما أسبقيته على الفكر فهو تغليط وتدليس من الرجل، لأن الواقع نفسه هو انعكاس للفكر الإنساني، و الفكر ذاته هو من الواقع أيضا. فالواقع فكر والفكر واقع والكل انعكاس للإنسان بفكره وأهوائه وغرائزه. و عليه فلا معنى لهذه المغالطات والتدليسات والتلاعبات. والإنسان والواقع كله مخلوق لله تعالى مفروض عليه أن يكون عبدا لخالقه، فلا العقل أسبق من الوحي والواقع، ولا الواقع أسبق منهما، وإنما الوحي أسبق من كل مخلوق لأنه كلام الله انزله على بني آدم ليعبدوه بما شرعه لهم فيه.
والرجل نفسه أبطل ذلك الزعم ونقضه عندما قال: «هذا بالإضافة إلى أن حجة الواقع ليست حجة على الفكر، وإلا كان كل الفقر في بلاد الإسلام حجة على أن الإسلام دين الفقر ... » [1] . وهذا ردا دامغ مُفحم صحيح رد به حسن حنفي على نفسه!!.
وثانيا إن الرجل يفتري على أسباب النزول عندما حملها ما ليس منها. لأن أسباب النزول ليست هي التي أوجدت الوحي، ولا هي التي أوجدت المجتمع المسلم، وإنما الوحي هو الذي اوجد المجتمع وأسباب النزول معا. و أصبح هو الآمر والناهي، والموجه والمربي وليس العكس. وحتى عندما يستجيب الوحي لأمر في الواقع، أو يتفاعل معه، فهذا مبني على أساس أن الوحي هو الأصل و المُوجد، و المصدر وصاحب الكلمة الأخيرة، ولم يفرض عليه الواقع شيئا، و أن الكلمة الأولى والأخيرة له لا للواقع. وعندما اقر الشرع بعض المظاهر التي كانت سائدة في الجاهلية، فإن هذا الإقرار لم يكن بأمر من الواقع ولا بضغط منه، وإنما كان
(1) حسن حنفي: الدين والثورة في مصر، ج7،ص:258