بأمر من الوحي ولم يقر منه إلا بعض الخصال الحميدة التي كانت موجودة في العرب. وهي في الأصل من آثار النبوات السابقة والفطرة السليمة، ولهذا قال الرسول - عليه الصلاة والسلام-: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» [1] . فالوحي هو الذي اقر ذلك لأنه صحيح موافق الشرع فزكاة و ألحقه بالشرع، وليس الواقع هو الذي فعل ذلك.
و أما الموقف الثالث من المجموعة الثالثة فمفاده أن حسن حنفي زعم أن النص هو «إجابة على سؤال يفرضه الواقع، بدليل أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وبدليل الوحي عبر التاريخ عندما كانت الشريعة اللاحقة تنسخ السابقة [2] .
وقوله هذا لا يصح، وفيه تغليط وتدليس على القراء، أقامه صاحبه على نظرة جزئية تحريفية للشرع والواقع معا. لأن العلاقة بين أسباب النزول والناسخ والمنسوخ و بين الوحي ليست كما صورها الرجل. وإنما هي علاقة تقوم على تبعية فرع لأصل وليس العكس. كما أن الواقع موضوع للوحي وليس الوحي موضوعا له. وأسبقية الوحي على الواقع ثابتة قطعا بدليل الشواهد الآتية: منها إن الوحي كلام الله والواقع انعكاس لفكر و سلوكيات مخلوق هو الإنسان. و منها أن مكانة الوحي أعظم من مكانة الواقع، لأنه كلام الله والواقع انعكاس للإنسان. و منها أن الوحي يقين وحق كله، لكن الواقع نسبي ومحدود، فيه الحق والباطل، والخطأ والصواب، فهو انعكاس للإنسان النسبي. و منها أن الوحي هو الذي اوجد الواقع الإسلامي وليس العكس. و منها أن الآمر والناهي، و المُشرّع والموجه هو الوحي وليس الواقع، و ما عليه-أي الواقع- إلا الخضوع والاستسلام لخالقه.
علما بأن حوادث النزول ليست هي التي أنزلت الوحي وإنما الوحي هو الذي أوجدها من أساسها من جهة، ثم تفاعل معها و تحكم فيها، فكانت هي أيضا من أسباب نزوله مع تبعيتها له من جهة أخرى. ولو كان في مقدورها إنزاله، فلماذا لم تنزله في كل أقطار العالم التي كانت تعج بمختلف الانحرافات والظلالات، والكفريات والشركيات، والمنكرات زمن نزول الوحي الإسلامي وقبله وبعده؟.
(1) الألباني: الصحيحة، ج 1 ص: 43.
(2) حسن حنفي: حوار الأجيال،.ص: 466