الصفحة 159 من 643

وبما أن ذلك لم يحدث دل على أن أسباب النزول هي نتيجة للوحي: إيجادا و توجيها، أمرا و نهيا. هذا فضلا على أن قسما كبيرا من الوحي ليست له أسباب نزول لأنه نزل دون مناسبة، وقد سبق أن ذكرنا أمثلة من ذلك [1] .

و أما حدوث النسخ في الوحي فلم يكن مفروضا من الواقع فرضا، ولا كان شاملا للدين كله. وإنما مس بعض الجزئيات المتغيرة، وهي سنة من سنن الله تعالى في خلقه، تمّ بأمره تعالى وحِكمته، بدليل قوله تعالى: «َما نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» -سورة البقرة:106 - . فالله هو الناسخ وليس الواقع، و الآية واضحة في أن الأمر كله لله وليس للواقع. ونحن لا ننكر أن الواقع له اعتبار لكن ليست له استقلالية ولا له القدرة على انزل الوحي، ولا تغيره، و لا نسخه، ولا التحكم فيه. لذا فإن الله تعالى عندما نسخ آيات بأخرى كان نسخا محدودا بأمره و توجيهه. ثم توقف النسخ ولم يستمر ليشمل آيات أخرى من الكتاب. والمنسوخ منه قليل جدا، و هو محكوم بالوحي وليس بالواقع الذي لا يستطيع نسخ أية آية منه زمن نزول الوحي و بعد توقفه.

و الموقف الرابع مفاده هو أن حسن حنفي زعم أن أسباب النزول تشير إلى أولوية الواقع على النص، فكانت"الواقعة تقع ثم يتلوها الوحي فالمنهج الإسلامي لا يبدأ بقال الله، وقال الرسول، إنما يبدأ بالواقعة يطرح المشكلة، وأن الواقع الاجتماعي يسبق الفكرة ... . وزعم أيضا أن"النص واقع والواقع نص» [2] .

و أقول: إن الرجل لا يمل من تكرار ذلك الباطل، وهو إما أنه لا يعي ما يقول، أو أنه صاحب يتعمد التحريف والتغليط والتلاعب بالألفاظ لغايات في نفسه. فهو أولا ينظر إلى الفرع ويأخذ به، و يغفل الأصل و يهمله و يقزمه. و هذا انحراف منهجي كبير وخطير. لأن الوحي هو الأصل الذي اوجد الواقع الإسلامي كله، فهو تابع للوحي و جزء منه بالضرورة وموضوع له، و ليس العكس. وهذه من بديهيات الشرع والتاريخ، لكن الرجل مغالط ومحرف، فعكس الأمر وأراد أن يوهمنا بأن الوحي تابع للواقع.

(1) انظر مثلا: عمر سليمان الأشقر: تاريخ الفقه الإسلامي، ص:40.

(2) حسن حنفي: الدين والثورة في مصر، ج7، ص:295 حوار الأجيال، ص:466

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت