الصفحة 160 من 643

والرجل نسي أو تناسى أن عبارة: قال الله هي أصل كل شيء، وأسبق من كل مخلوق، لأن الله سبحانه هو الذي اوجد كل مخلوقاته بقوله سبحانه: «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شيئا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» -سورة يس:-،و «َإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ» -سورة البقرة:30 - ، فعبارة: قال الله، هي أصل الوجود كله بما فيه الواقع البشري.

وكلنا نعلم أن الدعوة الإسلامية كلها بدأت بعبارة: قال الله، و قال الرسول فكان ذلك سببا في ظهور الواقع الإسلامي، لقوله تعالى: «اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ» -سورة العلق:1، 2 - ، و {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمْ فَأَنذِرْ} -سورة المزمل:1، 2 - . فنهض النبي-عليه الصلاة و السلام- للقيام بالمهمة الربانية داعيا إلى الله تعالى. و قد سار على نهجه أصحابه و أمته من بعده في الدعوة إلى الإسلام بقال الله، و قال رسوله، و لا دعوة للإسلام دون ذلك.

وأما قول الرجل بأن الواقعة كانت تقع ثم يتلوها الوحي. فالأمر ليس كما أراد أن يُوهمنا به، لأن الواقعة ذاتها هي نتيجة لقال الله، وقال رسوله من جهة، وهي جزء من المجتمع الذي أوجده الوحي و المُسيّر له و المُتحكم فيه من جهة أخرى. علما بأن قال الله، وقال الرسول لا ينفيان سنن المجتمع وخصائصه , بل هما قد نصا على وجودها، وأمرا بدراسة المجتمع دراسة علمية تقوم على التجربة والمشاهدة والبرهان، و حثا على العمل لاكتشاف سنن الطبيعة والعمران البشري [1] .

و ثانيا ليس صحيحا أن الواقع الاجتماعي يسبق الفكر، فهذا تغليط وتظليل، و نظرة جزئية للموضوع. لأن الواقع البشري كله انعكاس لفكر الإنسان ودوافعه ورغباته، وليس العكس. فالفكر والإنسان عامة أسبق من الواقع البشري. والإنسان ككل هو المحرك الأول والأساسي لواقعه، علما بأن كلاهما نسبي.

(1) للتوسع في ذلك انظر كتابنا: أخطاء المؤرخ ابن خلدون في كتابه المقدمة، ص:170 وما بعدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت