الصفحة 161 من 643

وأما قوله:"النص واقع والواقع نص"فهو قول فيه تغليط وتدليس على القراء، لأن النص الشرعي هو واقع ملموس لكنه واقع يمثل نصا إلهيا ولا يمثل نصا بشريا. و أما الواقع فهو واقع بشري لا يمثل نصا إلهيا وإنما هو واقع إنساني يمثل انعكاسات أفكار الإنسان وغرائزه ومصالحه على الواقع العملي. و النص الإلهي تمثل في الواقع و تجلى فيه على شكل وحي مكتوب، فأوجد واقعا إنسانيا إسلاميا، ولم يحدث العكس.

و أما الموقف الخامس فيتعلق بزعم حسن حنفي بأن أسباب النزول تعني"أننا نختار من الوحي في كل مناسبة ما نجد فيه حلا لمشاكلنا ومآسينا". و"كل محاولة لتفسير الوحي ككل وأخذه جملة واحدة معارضة لطريقة نزول الوحي في البداية".و"القرآن يحتوي على حلول لمشاكل عدة، لا يؤخذ منها إلا ما ساعد على حل مشاكل، و إلا استمع الناس إلى كل نبي، ولم يأخذوا أي شيء" [1] .

و أقول: أولا إن الرجل يفتري على الشرع، ويتكلم بلا علم، و يقرر أمورا بلا دليل من الوحي، ولا من العقل، ولا من العلم. مما يدل على أنه يسعى لإفساد الشرع وتعطيله وهدمه، بدعوى أسباب النزول، وهي في الحقيقة ضده، وكشفت مزاعمه من أساسها، و هذا سبق أن بيناه. و كان عليه أن يؤيد زعمه بالأدلة التي تؤيد ما ذهب إليه، لكنه لم يفعل ذلك، واكتفى بالدعاوى و المزاعم، ومتى كانت دليلا؟!. و المزاعم رأس مال المفاليس، ولا يعجز عنها احد، ففي إمكان أي إنسان يزعم ما يريد، لكن ليس في مقدور أي إنسان أن يؤيد زعمه بالدليل الصحيح.

و لا يوجد في الشرع نص يأمر بأن نختار منه ما يوافق أهواءنا ومصالحنا ونترك ما يخالفها. و الموجود فيه خلاف ذلك تماما، فقد أمرنا الله تعالى بأن نأخذ بشرعه كله، و حذرنا من مخالفته أو ترك بعض منه، لقوله سبحانه: «ُثمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» -سورة الجاثية:18 - ،و «وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ

(1) حسن حنفي: الدين والثورة في مصر، ج7،ص:74

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت