يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» -سورة البقرة:185 - ،و «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» -سورة التغابن:16 - ،و «لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا» -سورة البقرة:286 - ،و {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} -سورة النحل:106 - .وهذا خلاف زعم الرجل الذي يؤدي إلى تعطيل الشرع وهدمه.
و أما الموقف السادس فمفاده أن حسن حنفي عرّف أسباب النزول بأنها هي الوقائع الأولى التي جاء النص واصفا ومشرعا لها. وكذلك الناسخ والمنسوخ اللذان يدلان على تكيّف الوحي طبقا لتغيرات الواقع، وقدرات الإنسان، وإمكانية التحقيق [1] .
و أقول: إن قوله هذا غير صحيح في معظمه، وفيه تغليط وتدليس على القراء. لأن الصواب هو أن الوحي لم ينزل واصفا و متكيفا مع الواقع، وإنما نزل واصفا وهاديا، مغيرا وهادما، مشرعا ومربيا، و موجدا لمجتمع جديد. وأسباب النزول على نوعين: الأول يتعلق بالمجتمع الجاهلي نزل الوحي لهدمه كلية، ودخل معه في حرب لا هوادة فيها حتى قضى عليه تماما. و الثاني يتعلق بالمجتمع الجديد الذي أوجده الإسلام، وهو المجتمع الإسلامي. فشرع له، ورباه و رعاه، و وجهه: أمرًا ونهيًا، ترغيبًا وترهيبًا، وفرض عليه العبودية الكاملة لله تعالى: «قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» -سورة الأنعام:162 - . فكل أسباب النزول كانت تابعة لسلطة الوحي وجودا وعدما.
و الشرع لم يأت ليتكيف مع الواقع الجاهلي، وإنما جاء لهدمه والتخلص منه نهائيا من جهة، ولبناء مجتمع إسلامي جديد خاضع للشرع قلبا وقالبا، و ليس له من الأمر شيء من جهة أخرى. و هذا هو الذي حدث في الواقع بدليل الشرع و التاريخ. ولا يصح القول بأن الوحي تكيف مع الواقع الإسلامي بالناسخ والمنسوخ. فهذا تغليط وافتراء على الشرع والتاريخ معا، لأن النسخ كان قليلا جدا من جهة. وكان قائما على أساس المجتمع الذي أوجده الوحي نفسه من جهة ثانية، والنسخ تم
(1) : من العقيدة إلى الثورة، ج1،ص:203،204