بأمر من الشرع نفسه، فهو منه و إليه من جهة ثالثة. فالأمر كله للشرع لا هو للناسخ والمنسوخ، ولا هو للواقع، لأن الواقع هو الذي أوجده، و لأن الناسخ و المنسوخ منه و إليه.
والموقف الأخير-السابع من المجموعة الثالثة- مفاده أن حسن حنفي زعم أن النص لما كان"فارغا إلا من الوقائع الأولى التي هي سبب نزوله فإنه كثيرا ما تتدخل الأهواء والمصالح الشخصية والظنون والمعتقدات لتملأ النص" [1] .
وردا عليه أقول: إن زعمه هذا غير صحيح، وافتراء على الشرع والتاريخ معا. لأن الوحي شاهد بنفسه على أنه مملوء بعلوم وحقائق، و تشريعات وأخبار كثيرة متنوعة. منها ما هو مرتبط بأسباب النزول، و قسم آخر كبير جدا ليس مرتبطا بأسباب النزول، و الكل من وحي الله و كلامه. والوحي المرتبط بأسباب النزول ذكرها كمدخل وسبب للتشريع، و ليست هي المقصودة بذاتها. لذا كثيرا ما كان بعض المسلمين يكون سببا في نزول آية، فينزل الوحي و يُشرّع للحادثة، و لا يذكر اسم الصحابي، و لا يجعل الحكم خاصا به، و إنما يجعله عاما يشمل كل المسلمين. كقوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) -سورة المجادلة:1 - 4 - .و فالله تعالى ذكر السبب دون تخصص بشخص، ولا مكان، ولا زمان، ثم أصدر حكما شرعيا عاما خالدا. فالنص مملوء بالأحكام والمفاهيم، والعقائد والأخلاق، و التاريخ وكله في النهاية كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل أبدا. فهو ليس فارغا كما زعم الرجل الذي تعمد الافتراء على الشرع والتاريخ معا.
(1) من العقيدة إلى الثورة، ج1،ص:376