الصفحة 165 من 643

فأسباب النزول كانت سببا في نزول قسم من آيات القرآن الكريم، و ليس كله من جهة، و ليست هي التي ملأت النص، وإنما كانت سببا في نزوله مملوءا بالوحي الإلهي: من أحكام ومفاهيم، وتصورات وأنباء الغيب وفضائل الأخلاق، وحقائق الطبيعة والعمران البشري. وعليه فإن الوحي ليس فارغا، ولا يمكن لأهل الأهواء تغييره وتحميله ما لا يحتمل، وتقويل ما لم يقل. نعم لهم في ذلك محاولات وتحريفات كما فعل حسن حنفي و حامد أبي زيد. لكنها محاولات تأويلية تحريفية مغرضة ذات خلفية مذهبية متعصبة للباطل. ويمكن كشفها وإبطالها بالعودة إلى الوحي الصحيح، والعقل الصريح، والعلم الصحيح.

و واضح من ذلك أن حسن حنفي قال بتلك المزاعم بناءا على خلفيته المذهبية لتحقيق غايات في نفسه خطط لها سلفا. منها أنها تجعل الوحي انعكاسا للظروف التي ظهر فيها في جزيرة العرب. و من ثم فهو قد فقد صلاحيته، و لا يمكن أن يكون صالحا لكل زمان ومكان، بحكم أنه وليد ظروفه، ولم يكن وحيا إلهيا خالدا شاملا للدين والدنيا معا. وهذه المزاعم بينا بطلانها وتهافتها، رغم إصرار الرجل عليها وكثرة ترديده لها.

وأما المجموعة الرابعة فهي أيضا تتضمن طائفة من الأباطيل التي قال بها بعض أدعياء العقلانية، موضوعها العلاقة بين صلاحية العقائد والأفكار و فاعليتها المصلحية في الواقع، نذكرها من خلال المواقف الآتية: أولها يتمثل في أن حسن حنفي زعم أن"مقياس صحة العقائد ليس صدقها أو كذبها من الناحية النظرية، بل مقدار فاعليتها العلمية. إن الإثبات أو النفي النظريين لا يؤديان إلا إلى ضجة مفتعلة دون أي تغيير في حياة الناس اليومية" [1] .

و أقول: أولا إن قوله هذا غير صحيح في معظمه، لأنه أولا إن القول بأن مقياس العقائد لمعرفة صدقها من كذبها ليس هو المقياس النظري، وإنما هو مقدار فاعليتها العملية في الواقع. هو قول لا يصح على إطلاقه، لأنه لا يوجد مقياس واحد لمعرفة الخطأ من الصواب، والحق من الباطل، وإنما توجد عدة مقاييس

(1) حسن حنفي: في فكرنا المعاصر، ص:93

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت