الصفحة 166 من 643

يستخدمها العقل في عمله النقدي. وهي كلها مقاييس نسبية ما عدا المقياس الشرعي الصحيح الذي يعتمد عليه العقل بطريقة صحيحة في أحكامه. فهي قد تصيب في مواقف، وقد تخطئ في أخرى، لذا فلا يوجد مقياس بشري واحد مطلق يستخدمه العقل في كل أحكامه من جهة، كما أن الثابت عقلا وعلما و واقعا أن العقل الإنساني هو مصدر الفكر والنقد والتحقيق من جهة أخرى. و عليه فالعقل يُناقش الأفكار، ويجادل المخالفين مناقشة نظرية بناء على قدراته الذاتية، وخلفياته المذهبية، ومعطياته الفكرية المأخوذة من البديهيات العقلية والنفسية، ومن الواقع البشري والطبيعي معا. فهذا هو المصدر والمنطلق الصحيح لمعرفة صدق أو بطلان أي دين، أو مذهب، أو أي فكر. وهذا المنهج يمارسه كل إنسان من حيث يدري أو لا يدري، لأنه يعمل فطريا آليا في كل بني آدم.

لكن توجد حالات تكون فيها قضاياها نظرية تجريدية بحتة، وأخرى علمية صرفة، وأخرى تجمع بين النظري والعملي. وفي هذه الحالات يجب استخدام المنهج المناسب لكل حالة. فالقضايا النظرية التجريدية تخضع أساسا للنظر والتأمل النظريين. والقضايا الإنسانية العملية تخضع أساسا لمناهج العلوم الإنسانية العملية المتنوعة. والقضايا العلمية الطبيعية تخضع أساسا للتجربة والاستقراء وفق مناهج البحث التجريبية. والقضايا الفكرية والعملية المتعلقة بالعلوم الشرعية تخضع للمناهج الشرعية في الاجتهاد والاستدلال.

و ثانيا إنه لا يصح وضع فصل تام بين النظري والعملي، فهذا غير صحيح ولا يمكن أن يتحقق على أرض الواقع، لذا يجب الجمع بين الحالتين النظرية والعملية حسب الحالات والقضايا. لأن الإنسان مُكوّن من الجانبين وهما متداخلان وممتزجان، ولا يمكن إيجاد فصل تام بينهما، فهذا مستحيل لأن الإنسان روح وعقل، جسد وعاطفة. وعليه فإن كل العقائد والمذاهب والأفكار والاتجاهات لها جانبان: نظري وعملي، وكلاهما ضروري ومطلوب، ولا يصح إهمال أي منهما. لذا وجدنا الله تعالى يأمر الإنسان بالجانبين، فكما أمره بأن يتدبر ويتأمل في نفسه وفي كتاب الله، كقوله سبحانه: «وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ» -سورة الذاريات:21 -

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت