الصفحة 167 من 643

،و «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا» -سورة محمد:24 - ، فإنه أمره أيضا بأن يتدبر في محيطه البشري والطبيعي معا، وأمره بالسير في الأرض ليسخر ثرواتها، ويكشف سننهما الطبيعية والبشرية معا، كقوله سبحانه: «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فانظروا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ» -سورة العنكبوت:20 - ،و {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} -يونس:101 - ، وَ (سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) -سورة الجاثية:13 - ،و «قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ» -سورة آل عمران:137 - .

وعليه فإنه لا يصح الاعتماد على طريقة واحدة، ولا على مقياس واحد لمعرفة الخطأ والصواب والوصول إلى الحقيقة. وإنما على الإنسان أن يستخدم عقله، وكل قدراته المادية والمعنوية للوصول إلى الحقيقة، والدين الصحيح، والفكر السليم النافع , وهذا خلاف ما أراد أن يوهمنا به حسن حنفي.

و ثالثا إن زعم الرجل بأن مقياس صحة العقائد من كذبها هو ما تقدمه من فاعلية في الواقع، وأن النفي والإثبات لا يؤديان إلا إلى الفوضى من دون أي تغيير للواقع في حياة الناس. هو زعم لا يصح بدليل الشواهد الآتية:

أولها إنه عندما كانت الكنيسة والإقطاع يسيطران على أوروبا احدثا نشاطا وفاعلية في المجتمع الأوروبي، أديا إلى ظهور معارضة شديدة ضد رجال الكنيسة والإقطاع. فساهمت بقوة وفاعلية في ظهور الثورة العلمية والصناعية و الرأسمالية. وهذا يعني -حسب زعم حسن حنفي- أن أفكار الكنيسة والإقطاع كانت صحيحة صادقة، لأنها أحدثت نشاطا وزخما وفاعلية في أوروبا عند كل الأطراف. ثم عندما انهزم الإقطاع والكنيسة وفقدا الفاعلية والنشاط المؤثر في الواقع، أصبحت أفكارهما غير صحيحة ولا صادقة. ثم عندما انتصرت عليهما الرأسمالية وهيمنت على أوروبا وأحدثت فيها فاعلية ونشاطا كبيرين وأوصلتهما إلى الخروج من القارة الأوروبية، واحتلال معظم مناطق العالم الثالث في أسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، كانت الرأسمالية صحيحة صادقة محقة مصيبة في أفعالها على حد زعم حسن حنفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت