وصواب حسب زعم الرجل، ليس لأنها تملك الدليل الصحيح والبرهان القاطع والحجة الدامغة والعلم الصحيح، وإنما لأنها نشطة وفاعلة ومؤثرة في الواقع. وتزاد حقا وصوابا كلما ازدادت فاعلية وتأثيرا في الواقع، لكنها تفقد ذلك تدريجيتا كلما تراجع نشاطها وفاعليتها، و تفقده كلية إذا توقف فعلها ونشاطها!!. فهل يُعقل هذا الكلام؟، وهل يقول هذا الكلام إنسان يعي ما يقول؟ وهل يقوله عالم يحتكم إلى الشرع، أو العقل، أو العلم؟!. إنه لا يقول ذلك إلا رجلان: الأول إنه رجل جاهل لا يعي ما يقول. والثاني إنه رجل صاحب هوى متعصب للباطل يتعمد ذكر ذلك لغايات في نفسه على حساب الشرع و العقل والعلم. فالمقولة التي قال بها حسن حنفي لم تقدم حلا، وإنما أدخلتنا في متناقضات، وأفسدت الفكر، وهدمت العقل وأدخلته في تناقضات لا مخرج منها إلا ينبذها ورميها.
و رابعا إننا إذا عدنا إلى حسن حنفي نفسه نجده قد نقض زعمه في أن مقياس صحة العقائد و المذاهب ليس صدقها ولا كذبها، وإنما هو فاعليتها في الواقع. إنه نقضه بدليل الشاهدين الآتيين: الأول هو أن الرجل نفسه طرح مشروعه الفكري اليساري ودافع عنه و بشر به في بعض كتبه، منها: كتاب الدين والثورة في مصر والعدد الأول من مجلة اليسار الإسلامي، طرحه وتحمس له ودافع عنه على أنه هو الحل والحق، والصواب والعدل، وأنه هو الذي يجمع الأمة ولا يتناقض مع الإسلام، وأنه فهم عصري واقعي الإسلام [1] .وكلامه هذا شاهد على أن حسن حنفي قدم المقياس النظري على المقياس العملي في الواقع. فلماذا سمح لنفسه أن يقول بذلك قبل أن يخضع مشروعه للتطبيق والفاعلية في الواقع؟!. وهو إلى يومنا هذا لم يتحقق ذلك المشروع النظري، فكان على الرجل أن لا يصف مشروعه بتلك الأوصاف قبل تطبيقه.
والشاهد الثاني مفاده هو أن حسن حنفي عندما كان يدافع عن الماركسية التي كانت مهيمنة على المعسكر الشيوعي، وما قيل عن انتشار الفقر في دوله الشيوعية، دافع عنه بقوله:"هذا بالإضافة إلى أن حجة الواقع ليست حجة على الفكر، وإلا"
(1) انظر مثلا: الدين والثورة في مصر، ج6، ص:330،331