الصفحة 171 من 643

كان كل الفقر في بلاد الإسلام حجة على أن الإسلام دين الفقر ...". [1] . وبقوله هذا يكون حسن حنفي قد رد على نفسه، ونقض مقولته السابقة من جهة، وجعل الفكر هو الأصل وليس الواقع البشري لمجرد أنه واقع من جهة أخرى. وقوله هذا صحيح نوافقه عليه، لكنه مناقض لمقولته السابقة التي تستلزم الجمع بين المتناقضات لمجرد أنها فاعلة مؤثرة في الواقع!!."

وأشير هنا إلى فائدتين هامتين: الأولى هي أن الحق لا يُعرف أساسا إلا بالدليل الصحيح الذي يحمله سواء كان دليلا نظريا، أو شرعيا، أو، واقعيا، أو علميا، أو خليطا من ذلك، فلا يُعرف لمجرد أنه طُبق في الواقع وله فاعلية وتأثير فيه، أو لأن له دولة قوية تحميه وتدافع عنه، أو لأن أتباعه كثيرون أو قليلون. وإلا كان كل ما في الواقع البشري -من عقائد ومذاهب، وأفكار ونُظم- صحيحا، وصوابا، وصادقا. وهذا كلام باطل لا يقوله عاقل، لأننا نعلم يقينا أن في تلك العقائد والمذاهب، والأفكار والنظم حقائق وأباطيل، وأساطير ومتناقضات تجعلها من المستحيل أن تكون كلها صحيحة صائبة صادقة. مع أنها ذات فاعلية ونشاط وتأثير كبير في الواقع.

و الفائدة الثانية مفادها هي أن الفكرة -أية فكرة- قد تكون صحيحة في ذاتها نظريا، وعندما تُطبق في الواقع يقوم الدليل العملي على نجاحها وصحتها، وصدقها وصوابها. لكنها قد لا تجد من يطبقها في الواقع، فتظل صحيحة في نفسها نظريا لا عمليا. لكنها قد تُطبق في الواقع بطريقة غير صحيحة أو ناقصة، فيظهر للناس أن تطبيقها أثبت بطلانها عمليا، و من ثم فهي لا تصح نظريا أيضا. وهذا استنتاج غير صحيح، لأن سبب فشل تطبيقها ليس هو عدم صلاحيتها نظريا وعمليا، وإنما هو وقوع خطأ في تطبيقها على أرض الواقع.

كما أنه قد تكون الفكرة -أية فكرة- باطلة في ذاتها نظريا، فإذا طُبقت في الواقع ظهر فشلها وبطلانها عمليا، وقد لا تطبق في الواقع فتظل باطلة في ذاتها نظريا لا عمليا لأنها لم تجد من يُجرّبها في الواقع. لكنها قد تُطبق في الواقع أيضا على

(1) نفس المرجع، ج7،ص:216

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت