الصفحة 172 من 643

بطلانها، فتتدخل عوامل خارجية في تطبيقها فتظهر جوانب ايجابية من تطبيقها في الواقع، فينخدع بها أكثر الناس ويعتقدون بصوابها نظريا وعمليا. و يقولون: إنما نحن الذين أخطأنا في النظر إليها من الناحية الفكرية المجردة، ولو لم تكن صحيحة ما نجح تطبيقها. وهذا استنتاج غير صحيح، لأن سبب نجاحها في الواقع ليس صوابها النظري ولا صلاحيتها العملية، وإنما هو تدخل عوامل خارجية ايجابية صحيحة كانت سببا في نجاحها من جهة. و أخفت بطلانها، و قللت من أثارها السلبية على الواقع من جهة ثانية. و أظهرت ايجابيات تلك العوامل في الواقع على أنها من آثار تلك الفكرة الباطلة من جهة ثالثة. لكن هذا الالتباس لا يطول، فسرعان ما ينكشف الأمر وتظهر حقيقة تلك الفكرة الباطلة، وما حدث لها بتدخل تلك العوامل الخارجية الايجابية التي كانت سببا فيما حدث.

وبذلك يتبين أن الفاعلية الواقعية ليست مقياسا مطلقا، ولا دائما لتمييز الحق من الباطل، والخطأ من الصواب، وإنما هي مقياس نسبي من المقاييس النسبية الأخرى التي يستخدمها العقل البشري في نشاطه الفكري والعملي. وهذا خلاف ما أراد أن يوهمنا به حسن حنفي بزعمه السابق.

وأما الموقف الثاني- من المجموعة الرابعة- فيتمثل في زعم حسن حنفي بأنه"ليس المهم هو الإيمان، أو الكفر النظريان، ولكن مدى تأثير كل منهما في الحياة العملية وتوجيههما سلوك الإنسان نحو الخير والعدل" [1] .

وردا عليه أقول: إن قوله هذا لا يصح شرعا ولا عقلا ولا واقعا، لأنه أولا إنه مخالف للشرع مخالفة صريحة و مُنكِر لما هو معروف من دين الإسلام بالضرورة. و ذلك أن الشرع نص في عشرات النصوص على أن الإيمان بعقائد الإسلام هو المقياس الإلهي الذي جعله الله تعالى حكما بين عباده، لقوله تعالى: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» -سورة الحجرات:13 - ،و «فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى» -سورة الليل:5 - 10 - ،و «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا

(1) من العقيدة إلى الصورة، ج5، ص:23

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت