الصفحة 176 من 643

و أما ما يوجد في كثير من بلاد الكفار من عدل و رفاهية اجتماعية أكثر مما يوجد في بلاد المسلمين، فإن سبب ذلك يعود إلى ثلاثة أمور أساسية: أولها ما بقي عند هؤلاء من بقايا الفطرة السليمة، لأن الإنسان مهما انحرف لا يمكن ينسلخ كلية عن فطرته الإنسانية، و يتحول إلى حيوان أعجم كلية، وإنما تبقى فيه بقايا من صفات الفطرة الإنسانية السليمة. والأمر الثاني هو ما ورثه هؤلاء من بقايا أخلاقية إنسانية من عقائدهم ومذاهبهم الدينية المحرفة الموروثة عن القدماء. والثالث- الأخير- هو ما فرضه عليهم واقعهم وما استفادوه من تاريخهم، وما أملته عليهم مصالحهم بعد الحروب الطاحنة المدمرة التي خاضوها في القرن التاسع عشر والعشرين. فاكتشفوا واقتنعوا بأنه لابد لهم من التعاون وتبادل المصالح، والتوقف عما هم فيه من نزاع وصراع مدمر للبلاد و العباد. فاعتبروا بالتاريخ، وجمعتهم المصالح الواقعية الواسعة لا الضيقة، و حققوا لمجتمعاتهم جانبا كبيرا من العدل و المساواة و الرفاهية.

لكن مع ذلك فإن الخير الذي عندهم ناقص، و قائم على الأنانية والجشع، و أقاموه على المنفعة الدنيوية المتبادلة المُضرة بالشعوب الأخرى. فهم في الوقت الذي أقاموا الحق والعدل، والرفاهية في بلدانهم، استعمروا الشعوب الضعيفة ونكّلوا بها، واستولوا على خيراتها، و أغنوا بها بلدانهم من جهة؛ و حاربوا ثقافاتها وأديانها وخصوصياتها، ونشروا فيها الثقافة الغريبة لسلخها عن أصولها وخصوصياتها من جهة أخرى. وحتى بعدما تحررت معظم الشعوب المحتلة فإن الاستعمار الغربي ما يزال قائما اقتصاديا، وفكريا، وتكنولوجيا، ... باسم العولمة، والديمقراطية، و الاقتصاد الحر.

و أما المسلمون فإن المؤمنين الصادقين منهم عددهم قليل، وهم أحسن الناس قلبا وقالبا و أمرهم كله خير. لكن غالبية المسلمين ليسوا كذلك، ولا هم في مستوى الإسلام. فهم مرض القلوب مُتهافتون على الدنيا، وتدينهم مغشوش، وسلبياتهم كثيرة جدا، ومجتمعاتهم مملوءة بالظلم والمنكرات. لذا فإن الإسلام حجة عليهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت