الصفحة 177 من 643

وليسوا حجة عليه، فلا هم أخذوا بأسباب النهوض المادي الدنيوي، و لا هم أخذوا بأسباب النهوض الشرعي الدنيوي و الأخروي معا.

والموقف الثالث مفاده هو أن حسن حنفي زعم أن المطلوب من الدين ما يقدمه للإنسان في هذه الدنيا. فلا يهم إذا كان الدين وضع إجابات نظرية عن أسئلة نظرية محضة عن أصل الكون ونهايته، وإنما أن لا"يتعرض إلا لما يعرض على الناس من مشاكل عملية. فليكن الكون قديما أم حادثا، ولكن الذي يهم هو الخبز لكل فم، والدواء لكل مريض، والملبس لكل عارٍ، والمأوى لكل شريد، والكلمة على كل لسان ثقيل" [1] .

وأقول: إن قوله هذا غير صحيح في معظمه، وهو قراءة علمانية مادية للدين، مخالفة للشرع والعقل معا. لأنه أولا إن زعمه معارض للشرع معارضة صريحة، لأن الشرع نصّ صراحة على أن الدين نزل لتعريف الإنسان بخالقه ووظيفته في هذه الدنيا. و أنه لم يُخلق عبثا، وإنما خُلق لعبادة ربه من خلال عمارته للأرض والتزامه بدين الله تعالى. وعليه فإن من آمن بربه وعمل صالحا والتزم بشرعه فمصيره إلى الجنة، ومن انحرف عن ذلك فمصيره إلى جهنم وبئس المهاد. وهذا نقض لما زعمه الرجل الذي حرّف الدين في أساسه وغايته، وجعله وسيلة دنيوية لخدمة الحياة المادية للإنسان في حياته الدنيوية من جهة؛ وعطل وظيفة الدين الأساسية التي أُنزل من أجلها من جهة أخرى. وهذا اعتداء على الدين، وتحريف له، وافتراء عليه، لا يحق لحسن حنفي ولا لغيره أن يمارسه مع دين الإسلام ولا مع غيره من الأديان.

و ثانيا ليس صحيحا أنه لا يهم أكان العالم مخلوقا أو أزليا، فهذا تغليط وتضليل، لأن معرفة ذلك ضروري لكل بني آدم من طالبي الدنيا والدين معا. لأنه إذا كان الكون أزليا أبديا قديما لا بداية له ولا نهاية له، فلا معنى لمجيء الدين أصلا. لأن ذلك يعني أنه لا قيامة، ولا حساب وعقاب، ولا جنة ولا نار. و هذا مخالف

(1) حسن حنفي: في فكرنا المعاصر، ص:94

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت