الصفحة 180 من 643

وأقول: واضح من كلامه أنه جعل الواقع عامة والمصلحة الدنيوية خاصة حَكَما على الفقه والشريعة معا. فلا شيء ثابت، وإنما كل شيء قابل للتغيير، المِحَك في ذلك هو الواقع والمصلحة. فهما الحَكَمان في صلاحية الشريعة من عدمها. وهذا زعم لا يصح، و فيه باطل كثير و صواب قليل. لأنه أولا لا يصح أن ننظر إلى مصالح الأمة انطلاقا من المصلحة الدنيوية الصرفة، وإنما يجب علينا أن ننظر إليها انطلاقا من المصلحة الشرعية أولا. ثم من المصلحة الدنيوية المشروعة ثانيا. والتي يجب أن تقوم أيضا على ضوابط المصلحة الشرعية ثالثا. لذا فإنه ليس من مصلحة الأمة أن تكون مصالحها قائمة على النظرة الدنيوية النفعية. لأن هذه النظرة مخالفة للشرع، وتضر بالمجتمع المسلم ولا تنفعه. لأن الأمة المستقيمة على الشرع تكون مصالحها -في الغالب الأعم- هي نفسها مصالح الشرع من جهة؛ وتكون مصالح الشرع هي نفسها مصالح الأمة من جهة أخرى.

ولا يحق للفقيه أن يجتهد على هواه، ولا على أساس الظروف المحيطة به فقط. وإنما يجب عليه أن يقيم اجتهاده على الشرع أولا، ثم طبقا للظروف المحيطة به ثانيا. فاجتهاده يجب أن يكون محكوما بالضوابط الشرعية، فيُحكّمها في الظروف المحيطة به، وليست هي التي تتحكم في الضوابط الشرعية. لأن الشرع أسبق من الواقع والعقل من جهة؛ ولأن الوحي جاء ليُغير الإنسان و واقعه، و يُعبّدهم لله تعالى، وفق شرعه المنزل من جهة أخرى.

و ثانيا إن الرجل نظر إلى الفقه الإسلامي نظرة جزئية ثم عممها عليه كله. فأصبح الفقه الإسلامي عنده هو مجرد اجتهادات لا توجد فيه أصول، ولا ثوابت، ولا مُحكمات غير قابلة للتغيير ولا للتحويل، و التي يجب الالتزام فيها في كل الظروف. هذا كله أغفله الرجل وجعل الفقه كله قابلا للتغيير، و يمكن التخلص منه بالتقادم وتطور الظروف البشرية. و بذلك يفقد الشرع صلاحيته كلها بمرور الزمن. وهذه نظرة خاطئة للفقه الإسلامي، لأن الفقه الإسلامي يتكون من قسمين رئيسيين كبيرين واقعيين منفصلين من جهة، ومتصلين من جهة أخرى. الأول يتمثل في الأحكام الشرعية الأساسية المأخوذة من الشرع مباشرة دون اجتهاد ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت