ترجيح. وإنما هي مأخوذة من الشرع مباشرة بالقراءة والفهم العادي، والجمع والتنظيم، لأنها نصوص مُحكمة واضحة مطلوب من المسلم الالتزام بها وتطبيقها، وأخذها بقوة. كالأحكام المتعلقة بالصوم والصلاة، والزكاة والقتل، والسرقة والزنا، والربا والظلم، والغش والرشوة، وأكل أموال الناس بالباطل، والتطفيف في الكيل، و غيرها كثير جدا. و هي أيضا ليست من آرائهم واختياراتهم، وإنما هي أحكام واضحة مُحكمة، و هي التي تمثل علم الفقه الحقيقي الصحيح من بين علوم الشرع الأخرى. و قد تجلى عمل الفقهاء في الجمع والترتيب، و الفهم الشرح، وهي أحكام ثابتة لا تتغير.
وأما الجانب الثاني فيتعلق باجتهادات الفقهاء القائمة على الرأي والقياس، واستنباط الأحكام الجديدة انطلاقا من النصوص الشرعية نفسها، ومن روحها ومقاصدها. وهذا العمل يمثل الجانب البشري في الفقه الإسلامي من جهة؛ ويمثل الحافز الشرعي في الاعتماد على النصوص من جهة ثانية. لكن الجانب الأول من الفقه هو علم الهي بحت. وبذلك يتبين أن الفقه الإسلامي يتكون من جانبين أساسيين: الأول إلهي صِرف ثابت لا يتغير، والثاني عمل بشري قائم على الإلهي، وقابل للتغير حسب تغيّر الظروف: زمانا ومكانا وحالا، لكنه لا يتغير كله بالضرورة.
وبناءً على ذلك فأن زعم حسن حنفي بأنه لا يوجد في الفقه حل أبدي كله صالح لكل العصفور. هو زعم لا يصح تعميمه على كل الفقه، و إنما قد يصدق على بعض الأحكام الاجتهادية الجزئية المتغيرة بتغير الزمان والمكان والأحوال. وأما علم الفقه الصرف- بأصوله وأساسياته- لا يمكن أن يتغير.
و أما المجموعة الأخيرة -وهي الخامسة- فموضوعها تفسير الواقع بالقرآن وتفسير القرآن بالواقع، و تتضمن طائفة من المواقف قال بها بعض أدعياء العقلانية، نذكرها فيما يأتي: أولها يتمثل في زعم حسن حنفي بأنه لما"كان لا يوجد مقياس نظري لمعرفة التفسير الصحيح، وكان الخلاف في التفسيرات النظرية"