الصفحة 186 من 643

ومن تلك الصعوبات أيضا خطورة استخدام التفسير وسيلة مضادة لحركة الواقع للقضاء على تغييرات الواقع الطبيعية. ومنها أن يصبح التفسير مبررا للواقع، فيصبح تابعا للواقع مبررا له. فيصبح المنبع-و هو القرآن- تابعا للطبيعة لا مصدرا له [1] .

وردا عليه أقول: أولا إن معظم ما قاله الرجل غير صحيح، وفيه تغليط وتدليس وافتراء على الشرع. لأنه لا يصح القول: إن العودة إلى القرآن مسدودة ومحفوفة بالمخاطر. لأنه لو كان الأمر كذلك، ما أمرنا الله تعالى بالعودة إلى كتابه والاحتكام إليه. ولما جعله حجته على الإنس والجن، ولما تحدى به الثقلين بأن يأتوا بمثله. ولما وصفه سبحانه بأنه كتاب مُحكم مُبين مُفصل، حجة وبرهان، حق ونور. ولما توعد من خالقه بالخسران المبين، ولما وصفه بأنه الصراط المستقيم، ولما أمرنا بوجوب لزومه كقوله سبحانه: «وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» -سورة الأنعام:126 - . بل لوكا كما زعم الرجل لما انزله الله أصلا، ولما بعث رسوله ابتداء، لأنه لا معنى من إنزاله ولا فائدة منه. وبما أن الأمر خلاف ما زعمه الرجل، و أن الله انزله وأمرنا بإتباعه فإن هذا يدل بالضرورة على أنه كتاب واضح مفهوم محكم، يمكن فهمه و تطبيقه، ومعرفة أسراره و حِكَمِه.

و لا يصح في العقل أن نصف العودة إلى كتاب الله بأنها عودة مسدودة ومحفوفة بالمخاطر!! فهذا طعن في العقل والوحي معا، وتعطيل للشرع كلية. فهل يعقل أن يكون كتاب الله هذا حاله، في حين أن كُتب البشر- قديما و حديثا- خلاف ذلك، فهي تُقرأ و تُفهم؟؟!!.

و أما الطريق المسدود والمحفوف بالمخاطر الذي حذر منه الرجل، فهو قد يكون طريقا مسدودا أمام أهل الأهواء والظنون والتحريف من الوصول إلى كثير من حقائقه، أو معظمها بسبب انحرافهم المنهجي في فهم القرآن. فالعيب فيهم و ليس في القرآن، لذا فإن المفسرين الملتزمين بالمنهج الشرعي في التفسير لا يعترضهم

(1) في فكرنا المعاصر، ص:184

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت